الثقافي

فتشرق الشمس

وداد الإسطنبولي

أفاقت من النوم وظلت تتقلب بتكاسل على غير عادتها، تجلس على طرف السرير محدقة للاشيء، تفكر في ذلك الأمس الذي كانت تضجر منه وتتأفف، أصبح الأمس الآن كالحلم متقوقعا داخل زجاجة فارغة في غيبوبة مؤقتة، لا تعلم متى ستفيق منه. وأخيرا قامت لتستحم بماء دافئ  يزيل آثار الخمول من تلك الأزمة التي حلت على البلاد والعباد. تلك التصريحات والإرشادات أثقلت رأسها. 

مرت عدة أيام على شذى وهي قابعة في شقتها مما أثار توترها وأخذت تتخبط بين الجدران، تحدق من نافذتها فترى بعض الأشخاص في الشارع غير مبالين بخطورة الوضع، تتساءل:  لماذا لا يلتزم هؤلاء بما يذاع في التلفاز من أخبار، هل أحذوا حذوهم؟ ربما الوضع ليس بتلك الخطورة، فعزمت على الخروج، وعند عتبة البيت شاهدت بعض المارة يضعون كمامات وقفازات، فعادت أدراجها ودخلت مسرعة لبيتها، وجلست مستاءة تحدث نفسها: كنت سأجتاز الشارع وأسرع بخطاي إلى السوق، سأشتري أغراضي على عجل ولكن تملكني الخوف. ارتجفت يداها وأصابتها الكحة فجأة ربما من أثر الركض  تيبس حلقها وأخذت تغسل يديها ووجهها بالماء والصابون ودخلت في نوبة من الهلع تحدث نفسها: “هذا وسواس أفكارك يا شذى لا شيء بك إنها مخيلتك فقط”.

 شذى فتاة عبرت حاجز الثلاثين، قصيرة القامة  على خديها بعض النمش، تستفزها كلما تذكرتها، أغلقت النافذة وتأملت أجواء شقتها، الكتب المتناثرة على الطاولة ربما أعادت قراءتها مرارا وتكرارا، أوراق مبعثرة لتقارير عملها، أكواب شاي ورقية تشير لسهر لياليها خوفا مما يحمله الغد، فلم يغمض لها جفن، حتى جارتها ابتعدت عن زيارتها قصدا للوقاية والسلامة. 

أرخت جسدها على الكنبة وعلامات الإجهاد تظهر على جبينها، أخذت جهاز التحكم لعلها تجد ما يثير حماسها ويبهج نفسها، فإذا بخبر امتعضت لسماعه: “للمرض أهداف سياسية من أجل ضرب اقتصاد بلد”، وقلبت قناة أخرى: “الفيروس يتحور ويتغير” وتقلب بعصبية لقناهة أخرى: “حظر التنقل”، فألقت جهاز التحكم من يدها وأسرعت بخطاها للنافذة لتغلقها على الفور. في هذه الأثناء ارتفع صوت المؤذن وأخذت تنصت للأذان وكأنه ثلج سرى في أعماقها وأجهشت بالبكاء بشدة لسماع آخر ندائه: صلوا في بيوتكم. 

تنهدت بعمق شديد وتساءلت عما يحدث في العالم، فالوباء لم ينحصر بمكان واحد، وإنما انتشر على العالم أجمع، إلا من رحم ربي. هذه جائحة أعاذنا الله منها، وكأن الشعور بالأمل قد سرى في نفسها. أرخت أكتافها لتريح ما يخالج فكرها،  مفتاح كل شيء البحث عن الأسباب، اشتاقت الأرض والسماء للدعوات. بنقاء القلب، وصفو الوداد، تبتسم، تعانق الأمل  تقول وهي تتهيأ للصلاة: ستطيب لنا الحياة وتعود المساجد عامرة بالمصلين وسنستقبل صباحات جديدة تشرق فيها الشمس، ويعم الربيع الأرضى، سنكون بخير.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق