السياحي

على كأس حزن في هامبورج

 

حمود بن سالم السيابي
————————
إنه الشتاء وشجر هامبورج تخلَّى عن شالاته الخضراء.
والدروب الممرعة بالخطوات اسْتسْلمتْ للريح التي ما فتئتْ تسْتَفُّ بعثرات المشَّائين.
لا أعلم ما إذا كانت هذه القتامة هي ذاتها التي يلبسها الشتاء المكان كل عام ؟.
أمْ هي أحزاني التي أدمنتْ الوخز والنزيف؟.
أمْ النظارة السوداء التي أواري بها شرود العيون؟.
أم لأول سفر لي خارج دائرة أحزان الوطن وإنْ لاحقتْ الأحزان الكل ، ولآخر دائرة ولأبعد نطاق؟
هذه إنجيلا ماركيل مستشارة ألمانيا التي عهدتها ترتجف ذات استقبال رسمي لضيوفها في برلين قبل عام وقد استعادتْ أضلاعُها الثَّبات وأعصابُها التركيز ، وما تزال صورتها المعلقة بشموخ المجد الألماني مكانها منذ آخر المخاتلات لهامبورج ، بينما غرقنا في اليُتْمِ المزلزل وقد فقد الوطن أباه.
لقد بدا المشوارُ إلى هامبورج طويلاً هذا السفر ، ولعلي لست وحدي الذي استشعر ضجر البقاء وضجر السفر ، وأكله ملل حزم الحقائب وملل إفراغ محتوياتها في علاقات الخزانات.
ولعل غياب فرح السفر وغياب بهجة العودة هي الجملة المتكررة على شفاه الوطن الموجوع ، ومع ذلك لا بد للوطن من أن يشرب ثمالات كأسه الأخير فهو أكبر من وجعه وعليه أن يتدرَّعَ بالصبر ليبقى على شموخه كما رآه أبوه قبل إغماضة الوداع.
هذا “منكبيك اشتراسيه” النابض بالحياة في هامبورغ وقد تلفَّعَ ثِقْلَ الشتاء.
اقتربُ من شجرة حفرَ عليها العشاق تذكارات صيف تشابكتْ فيه الأصابع وتعانقتْ على مواثيقه القفول والوعود والآهات وقد ملأ المطرُ كل الخطوط والرسوم والخربشات ، وكل قصائد الشوق فألقى عواء الريح انفعالاته وتوتره على الغياب.
هذه محطة “الهوبَّانوف” عكس العهد بها وقد استكانتْ لفحيح القطارات المتعبة وغابتْ عن أرصفتها أحضان التوديع الباكي وذَبُلتْ باقات ورود الاستقبال.

أتلفَّتُ بطول المسارات الأفعوانية لخطوط القطارات أسائلُ مخارج محطة القطار عن موسيقيي الشوارع الذين يضفون على هامبورج الحيوية وقد بعثرهم البرْدُ وقوَّس خشب كمنجاتهم ومزق نوتات الألحان ، وهجمتْ أضراس الشتاء على أوتار الغيتارات.
كما تخالفَ على ثقوب النايات رعشات الشفاه وشلل الأصابع فاختلَّتْ سلالمُ الشَّجَنْ.
لقد بدتْ هامبورج خالية الدروب ، والساحات يكنسها الفراغ القاتل بما يحرِّضُ النوايا العسكرية النائمة لدى الأشرار بإعلان ساعة الصفر وتلاوة البيان رقم واحد للغزو والاقتحام ، فهامبورج كبقية المدن الأوروبية في هذا الفاصل من عمرها تهربُ من نفسها لتتثاءب وراء صمت الحيطان.
وتُسْدِلُ على نفسها ستائر “الويك إند” لتقرأ تحت اللَّمبات الصفراء بطاقاتها البريدية العابرة للبحر.
أقتربُ من ضفاف بحيرة “أليستر” أسائل دوائر الماء عن بجعات مرحة كانت هنا ، وقد صحبتُ معي لها المزيد من الخبز “المقرمش” ، ولأذكِّرها بشقاوات مناقيرها على أصابعي.
لقد خلتْ البحيرة من الكائنات البيضاء الجميلة التي تمنحُ للمشهد الرمادي بهجته وللماء سحر الانسياب.
أسائل حاملي الخبز مثلي فيتطوع من يجيب أن عمدةُ البلدة ابْتَعدَ بها إلى المخدع الذي تأوي إليه كل شتاء حفاظا عليها من تاثير الصقيع وتجمد الماء باعتبارها مفردات قومية تستحق مثل هذا التدليل.
تحاصرني وحشة الدروب التي ترسف الأقدام أينما تبعثرت فأتذكر بيت المتنبي.

“وسوى الروم خلف ظهرك روم
فعلى أي جانبيك تميل”

أعود إلى عزلة الفندق أسامر الدلة الثائرة برائحة بلادي وأعالج جَرَّةً محكمة الاغلاق امتلأتْ تمرا بمذاق الفيحاء ، فعليَّ أن انتزع نفسي كالهمبورجيين من الدروب الباردة وأتوارى مثلهم خلف جمر المواقد لأنتحب الشوق.
وغدا سأجلس أمام الطبيب الذي يعرف عللي فيحاكمني كمتهم بأجهزته وقوانينه وسأستكين مضطراً لسيف الأحكام المسلطة رغم يقيني أنه مجرد معالج فقط وأن الشافي هو الله.
——————————-
هامبورج في ٩ فبراير ٢٠٢٠م

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق