الثقافي

سعاد العنزي: هناك أعمال تكتبنا

هي باحثة جادة وصاحبة تجربة نقدية رصينة، كرست اسمها كأحد الأصوات النقدية النسائية البارزة في المشهد الخليجي. تمتاز بعمق الطرح وشمولية الرؤية، بما تمتلكه من ثقافة عالية وأدوات معرفة واسعة واستيعاب جاد لتحولات المشهد الثقافي والمعرفي. إنها الناقدة الكويتية الدكتورة سعاد عبدالله العنزي، التي عرفها القارئ بإصداراتها النوعية مثل (صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية المعاصرة) و(رواية المرأة الكويتية في الألفية الثالثة) و(الهوية العربية بين التخييل والواقع).
سعاد العنزي تحمل الدكتوراه في النقد الأدبي من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، وتعمل عضو هيئة التدريس في قسم اللغة العربية بجامعة الكويت. نشر لها العديد من البحوث والدراسات المحكمة، إلى جانب كتابة مقالات في الصحافة العربية والكويتية. ولها مشاركات بارزة في الفعاليات والمؤتمرات والندوات الثقافية والعلمية، وتحمل عضوية عدد من اللجان العلمية، وتشارك في تحكيم الجوائز والمسابقات الأدبية المرموقة.
حوار: حسن المطروشي

الدكتورة سعاد العنزي تحدثت للتكوين عبر هذا الحوار العميق الذي طرحت من خلاله رؤاها بجرأة واثقة وحيادية متناهية، وطافت بالحديث في آفاق بعيدة …
مع تحول الأهداف وتعدد الغايات في الكتابة .. كيف يرى الناقد الآن سؤال الوظيفة النقدية أو مهمة النقد الأصيلة؟
عند النظر إلى تحول الأسئلة النقدية تبعا للحاجات الجمالية للشعوب سنجد أن الأسئلة مختلفة ومتحولة، وإذا كانت وظيفة النقد متعددة الأبعاد، وتتشكل في كل فترة على حسب توجهات فكرية وفنية معينة، فإنه بالتأكيد أن هذه الوظيفة تتشكل وفق الرؤى الجمالية التي تنتشر في فترة معينة. بالطبع مرت الوظيفة النقدية بتحولات عديدة تبعا للمدارس النقدية والمذاهب التي تعاقبت بالظهور، ومن الصعب القول إن هناك وظيفة واحدة فقط وذلك لانتماء النقاد إلى مدارس نقدية متعددة، وبالتالي، من الصعب الجزم بواحدة منها. في بداية تطور نظريات النقد الأدبية، سيطرت الاتجاهات الخارجية، وأصبح الربط بين المؤلف ونصه وسيلة لشرح وتفسير العمل في ضوء ذلك. وعندما أشبعت هذه الموجة تم الانتقال من المناهج الخارجية إلى المناهج الداخلية من خارج النص إلى داخله، وأصبح التركيز على طبيعة النص الأدبي بحد ذاته مع عزله عن كل ما يشير إليه ويرتبط به خارج النص. وكما تطرف أصحاب الاتجاه الأول، رد اتباع الاتجاه الثاني ردا أكثر تطرفا. وهذا ما جعل ما بعد الحداثة تعمل نوعا من المواءمة من خلال الجمع بين ماهو خارج النص وداخله من خلال طروحات التاريخية الجديدة، كما أنها تكمل مسار الحداثة غير المكتمل من جانب، وتكشف عن تناقضات هذا المشروع والمسكوت عنه في خطاب الحداثة من جانب آخر.
أمام كل هذه المسارات المتنوعة نجد أن وظيفة النقد ما زالت هي التفسير والتحليل والتقويم، ولكن في ضوء أي نظرية وأي منهج، وهذا يعتمد على عدة أمور: منها طبيعة النص المطروح، فنحن لا نستطيع أن نقحم بعض القراءات على بعض النصوص. كما، تختلف اهتمامات النقاد وبناء عليه يرتبط الناقد بما يوافق اتجاهه النقدي ومدرسته الفكرية. بالنسبة لي، أرى أنه على النقد أن يكون قريبا من نبض المجتمع وحركته، ولا أن يهتم بموضوعات وطرق لا تمثل المجتمع واهتماماته أو حتى ما ينقصه.


النقد وسؤال الذائقة
كثيرا ما ترتبط مقاربة العمل النقدي بالقراءة الذوقية للعمل الأدبي .. كيف يحدد الناقد هذه المسافة بين الذائقة الفردية والمهمة النقدية؟
سؤال مهم حقيقة. ولكن لماذا نفترض أن ثمة تعارضا بين الذائقة الأدبية والمهمة النقدية، لماذا نرى للنقد مهمة واحدة تحدد وتحجم الذائقة الأدبية. تتوافق المهمة النقدية مع ذائقتنا في أحيان كثيرة، قد تتعارض عندما تأتي من مؤسسة معينة تطلب من الناقد البحث في هذا الموضوع أو ذاك. ولكن إذا لم يكن ذلك متأتيا من مشروع بحثي معين، فإن الناقد سيقرأ وفق ذائقته الأدبية، وبالطبع سيتوافق العمل الأدبي مع ذائقته ورؤيته لدوره النقدي وإلا لما قدم قراءة عنه. وهذا ما أمر به عندما يطلب مني البعض المشاركة في مؤتمر فإني أحتار كثيرا في المشاركة. ذات مرة طلب مني الأديب طالب الرفاعي الكتابة عن مجموعة «صباح يشرب البرتقال» للأديبة الكويتية د. نجمة إدريس عندما قرأت المجموعة احترت كثيرا، لأني لم أجد بها ما يتوافق ورؤاي الفكرية والجمالية، مجموعة تتوجه نحو مسار آخر بعيدا عن كل الارتباطات مع الثقافة الاجتماعية العامة، شخصية تعيش العزلة والوحدة والفردانية٬ فلم أجد حقيقة ما أكتب في البداية٬ ولكن بعد التأمل العميق وجدت انبثاقا هوياتيا مختلفا نستطيع فهمه من منظور التحليل النفسي اللاكاني والشخصية الإنسانية ما بعد الحداثية أصبحت الذات متخففة كثيرا من هرطقات الماضي وأصبح ينشد السلام الداخلي.
في الممارسة النقدية هناك ما يسمى بالثلاثية: العمل الأدبي والكاتب والمتلقي .. ما الذي تضعينه في الاعتبار أثناء مقاربتك التأويلية للنص؟
الجميع حقيقة، وبنسب متفاوتة ومعايير مختلفة. أهتم بالكاتب عندما أرى أن لديه ما يقدمه ولكنه لا يلقى من يحتفي بتجربته ويقدمها للقراء، فأحاول أن أبعد هذا الكاتب عن دائرة التهميش والإقصاء وما أكثره في الوطن العربي. وأهتم بالكاتب/ة عندما أجد أنهما يشقان طريقهما الإبداعي من دون وجود وعي كاف والتباس المفاهيم، فأحاول أن أضيء لهم بعض النقاط من باب المساهمة بتطوير الفكر والثقافة في المجتمع. وأهتم بالكاتب وسيرة حياته عندما تمتلئ حياته بتفاصيل إنسانية مهمة تفتح لنا أفقا لقراءتها من خلال آفاق متعددة. أما العمل الأدبي، فبالتأكيد هو مدار التركيز في القراءة النقدية، وكلّما ما كان العمل نصا عميقا ورصينا استحق القراءة والتحليل المرة تلو الأخرى بقدر غناه وخصوبته في إنتاج الدلالات التي تبقيه فترة زمنية طويلة ويصمد أمام الزمن.
تعدد المناهج والنظريات النقدية الآن «المستوردة». ما الذي يعيق إيجاد نظريات نقدية وجمالية عربية؟
قد تكون مشكلة تبعية، تبعية المغلوب للغالب، وهذا رد سهل وناجز يجعلنا نتملص من مسؤوليتنا التاريخية في مواجهة الخلل والإشكاليات الأعمق وتحليلها ببعد ثقافي وطروحات نقدية جريئة. لو تأملنا المشهد النقدي الثقافي، سنجد أن الأمر يرتبط بعدد من الأمور لعلها مشكلة تأخر الخطاب الفكري العربي، إذا ذهبنا إلى خارطة الفلسفة العربية المعاصرة سنجد أن الفلسفة لم تنتج خطابا فكريا خاصا بها، بل منذ بدايات النهضة وهي تأخذ من فلاسفة التنوير الغربي، وتقوم هذه الفلسفة بعدد من المسارات البحثية. الأول: هو البحث في تاريخ الفكر العربي الإسلامي من خلال المفاهيم المستعارة من الغرب، ولعل مصطلح «النظرية المسافرة» لإدوارد سعيد من أدق المصطلحات لتوضيح انتقال المفاهيم، وهذا أمر جيد ولكن إلى أي حد سيضيف للثقافة العربية. المسار الثاني: هو قراءة الواقع المعاصر من خلال أيضا الرؤى والطروحات النقدية الغربية وياليت هذه المفاهيم كانت تعالج قضايا مهمة تمس المواطن العربي، لأنها ركزت على أكثر المواضيع هيمنة فهي إما تتعلق بالسياسة والديمقراطية والديكتاتورية، أو كرد فعل على التغريب بالبحث عن الأصالة والهوية والقومية، مما يعني استهلاك الأفكار الغربية الخلاقة بقضايا تكررت كثيرا. وهناك خط ثالث، يقوم بترجمة كتب الفلاسفة الغربيين، وشرحها بشكل جيد وهذا بالنسبة لما يحدث هو أفضل دور يقوم به المشتغلون بالفلسفة اليوم.
ما أريد أن أقوله، إذا كان هذا حال الفلسفة فكيف سيكون الأمر بالمجالات الأخرى؟!!!
تختلف الأسباب حقيقة في عدم ظهور نظرية نقدية أدبية عربية، ولكن لو امتلكنا من الفهم العميق أولا، وتشرب كل هذه التنوعات الفكرية والنقدية والإنسانية والجمالية بشكل جيد ثانيا، وتغيرت الحالة الثقافية العربية من التقليد والتبعية وتكرار الموضوعات المطروقة إلى طرح موضوعات جديدة وانشغالات متنوعة ثالثا، سيكون الحال أفضل بكثير. على سبيل المثال نجد أغلب الدراسات النقدية العربية لم تخرج من خط الدراسات البنيوية والسيميائية٬ لدرجة أن بعض الأكاديميين يغرق في بحر الفخر والاعتزاز بهذه المناهج النقدية الصارمة جدا التي تومئ وتوحي ولا تقول أكثر.
لو شعرنا بالمسؤولية التاريخية، والتزمنا بدورنا الثقافي كذوات فاعلة لاختلف الأمر. وياليتنا نحتذي بالنماذج الخلاقة والأمثلة المشرفة في الوطن العربي من مثل الناقد والمفكر الفلسطيني الأمريكي ادوارد سعيد، والناقد المصري إيهاب حسن، والأديبة النسوية نوال سعداوي وفاطمة المرنيسي أمثلة لنقاد أضافوا للثقافة الإنسانية الكونية على نحو لم نقم نحن العرب بفهمهم ودراستهم بشكل واع ومسؤول. فهمنا طروحاتهم الأساسية ولكن لم نستقبلهم بشكل جيد ولم نراجع إلا أفكارهم الأساسية لدرجة إننا لا نجد دراسات تذهب أبعد من خطابهم الفكري والمعرفي ولم يستثمر بشكل لافت.

تسجيل امتعاض
قمت بالكتابة عن بعض التجارب الأدبية الكويتية والعربية.. كيف تختارين هذه التجارب، وما هي معاييرك في اختيارها للنقد دون سواها؟
من خلال قراءاتي المتنوعة، واهتماماتي النقدية، وبعض التوصيات من المتخصصين الذين يلفتون نظري لأهمية عمل ما. بالنسبة لقراءاتي، عادة ما أشتري بعض الأعمال أو يتم إهدائي بعض الإصدارات، فأقوم بالكتابة عن الأعمال الجيدة منها فنيا ومضمونيا، بالذات إن كانت هذه الأعمال لم يسلط عليها الضوء بشكل جيد. وأحيانا، أعثر بين قراءاتي على أعمال سيئة، وأكتب مقالا عنها مسجلة امتعاضي على جرأة بعض الكتاب ودور النشر على نشر هذه الترهات. وبالطبع لا تفوتني الإشارة إلى الخطوة السابقة وهي إنني لن أجيد الكتابة إلا عندما أجد أن هذه الإصدارات تتقاطع مع اهتماماتي واشتغالاتي النقدية والمعرفية، فإذا لم تحركني هذه الأعمال لن أستطيع أن أكتب عنها بالعمق المطلوب. وأحيانا توصيات البعض تلفت نظري إلى أهمية بعض الأعمال وتطلعني على أسماء إبداعية لم أطلع عليها في الماضي، وبذا أجدها فرصة ملائمة للتعرف على مناطق جديدة في الإبداع العربي. بالطبع، هناك أعمال كثيرة هي التي تكتبنا، هي من تملي علينا الأفكار والرؤى وهذا لسطوة تأثير هذه الأعمال علينا، وانبهارنا بها ولأننا نجد بها العديد من الجماليات التي نترقبها بشكل مسبق في أي عمل.
من خلال اطلاعك على النص الأدبي الخليجي، هل ترين أنه تمكن من تأسيس هوية خاصة به، أم أنه نص إبداعي عام أو «عائم»؟
لا بالطبع، بالتأكيد النص الأدبي الخليجي استطاع أن يؤسس له هوية خاصة به، وهذا منذ فترة البدايات، بدايات الكتابة الإبداعية، نجد موضوعات الهوية الخليجية واضحة بقوة وثبات، بدءا من أول قصة قصيرة كويتية «منيرة» لخالد الفرج حتى الرواية العمانية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي الحاصلة على جائزة مان بوكر العالمية. المطلع على الإنتاج الإبداعي الخليجي يجد قضايا الإنسان الخليجي وتحولات الهوية الخليجية حاضرة بقوة منذ خليج ما قبل النفط وما بعد الطفرة الاقتصادية والهوية الاستهلاكية وغيرها من الموضوعات المتعلقة بالمجتمع الخليجي وهوامشه. وحتى على المستوى الفني استطاعت العديد من التجارب المهمة واللافتة تقديم أدب خليجي متقدم على المستوى الفني، مثل «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، وروايات ليلى العثمان واشتغالها بالهم النسوي، ورواية «ساق البامبو» لسعود السنعوسي ورواية «الورد لك.. الشوك لي» لسليمان الشطي ولا نستطيع نسيان الشعر الخليجي وتوجهاته الواسعة كالموضوعات الفردية والاجتماعية والسياسية والقومية. ما أريد قوله هو أن مجموع التجارب الإبداعية الجيدة استطاعت أن تقدم هوية إبداعية مهمة للأدب الخليجي. ولكن أيضا لابد من الالتفات إلى أن الأدب الرديء هو جزء من هذا المجتمع الذي دخل إلى الثقافة ومظاهرها من قراءة وكتابة متأخرا وإن المميز واللافت هو الاستثناء ليس القاعدة.
لديك اشتغال نقدي لافت يتناول مرحلة ما بعد الاستعمار .. ما الذي يميز هذه المرحلة على المستوى الإبداعي والنقدي؟
تقع نظرية «ما بعد الاستعمار» ضمن موجة «ما بعد الحداثة». وأنا حقيقة مهتمة بكثير من طروحات ما بعد الحداثة، سواء تلك الخاصة ببعد الاستعمار التي اشتغلت عليها في مرحلة الدكتوراة، أو الفوكوية وطروحاتها اللافتة في إعادة قراءة التاريخ وكتابته من خلال التاريخانية الجديدة التي ألهمت مفكري «ما بعد الحداثة» بكثير من الرؤى والطروحات المهمة، أو حتى التفكيكية التي تقوم بكشف تناقضات النصوص والمسكوت عنه وقضايا الاختلاف، وبالطبع لا نستطيع أن نغفل مدرسة فرانكفورت النقدية وإسهاماتها العميقة في نقد ثقافة المجتمعات الرأسمالية اليوم. كل ما تقدمه هذه الاتجاهات يساعدنا على فهم الكثير من القضايا المسكوت عنها والمغيبة عن فكرنا الجماعي، وهي أمور تم تغييبها أو التفكير بها بشكل مغلوط في الحداثة.
لديك قراءات في العنف السياسي في الرواية .. ما هي روابط هذا العنف الذي تسلل للإبداع عبر السياسة بالعنف المترسخ في ثقافتنا الموروثة؟
لدي دراسة ماجستير بعنوان: «صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية المعاصرة». حقيقة العنف لم يتسلل للإبداع عن رغبة جمالية، وهو لم يتسلل بقدر ما كان يعلن نفسه بوضوح ويفرض نفسه بقوة كنتيجة للعشرية الحمراء في الجزائر وهجم هجمة شرسة على مظاهر الحياة الإنسانية في الجزائر وما الأدب والفن إلا أحد انعكاساتها. أما الروابط، فيضيق الوقت عن ذكر تحليلها التفصيلي، ولكن هناك أسباب عامة ترتبط بتراجع الوطن العربي وعجزه عن مجاراة موكب الحداثة الغربية، والغياب عن المشهد الحضاري في العالم مما يجعل الجهل والعنف هما اللذان يتسيدان المشهد لتهديد وجود الأمة العربية. ولكن إذا أردنا الالتفات للأسباب الخاصة بالحالة الجزائرية فهو كما لا يخفى عليكم بسبب تعطيل نتائج الانتخابات. أنا أعتقد أن العنف يحدث عندما تضطهد المكونات الاجتماعية بشكل مدروس وممنهج، وعندما تغيب الشعوب عن الوعي بوجودهم الحضاري. انظر لأغلب حركات العنف هل نتجت عن فراغ، بل تجد دوما خلفها جهل وتخلف وإقصاء وتهميش. ولا نستطيع أن نربطه بالموروث العربي فقط. هل كل تاريخ الوطن العربي بأكمله تاريخ عنف وإرهاب وتطرف، بل هناك بالمقابل انتصارات وحضارة إسلامية مترامية الأطراف، ومرونة وتعايش ديني وإثني وأيضا هناك هزائم متتالية، وخيبات ونكسات، غياب تاريخي كبير، وغياب لا إرادي عن الفعل الحضاري. كلها مجتمعة سببت ما حدث وما يحدث في الوطن العربي من موجات عنف وتطرف وإرهاب.
كثيرا ما نقرأ عن تراجع الشعر أو أن زمن الشعر قد ولّى .. هل ترينها أزمة شعر؟ أم أزمة شعراء؟ أم أزمة وعي وتَلَقٍّ؟
أعود مجددا وأقول إنها مشكلة ثقافة عامة، ومشكلة ذائقة جمالية، ومشكلة وعي وتلقٍّ، وقضية اهتمام وقدرة على القول ومخاطبة جمهور المتلقين. صحيح أن الشعر العربي المعاصر اليوم يعيش نضجا إنسانيا وجماليا ويقدم رؤى متنوعة وبرأيي أنه في هذه المئة عام الماضية اختصر وعوض عن بعض من الأدوار المشينة التي لا تليق بالشعر والتي حاول الشعر العربي المعاصر اليوم تجاوزها إلى آفاق جمالية وإنسانية رائعة. ولكن القضية ليست قضية شعر أو عجز الشعر عن تقديم نصوص إبداعية خلاقة، ولكن تكمن في جدة الرواية وارتباطها بموضوعات الهامش كالنساء، ومن الطريف أنه يقال إن الرواية نسوية والشعر فن الرجل بامتياز. نستطيع فهم المقولة السابقة في ضوء قدرة الرواية من خلال عدد من التقنيات على تقديم قصص الشعوب بتفاصيل عميقة جدا تفاصيل البيئة والمكان والزمان والثقافة الاجتماعية، والقصص الهامشية التي لم تكتب قبل، وبدأ يظهر عصر الكتابة والتحريرية، وظهرت الرواية مع ظهور حقوق الإنسان المغيب تاريخيا: النساء، الملونين، الأقليات، فساعدت الرواية على إعادة كتابة التاريخ. بالطبع هذا لا يعني أن الشعر لا يساعد على كتابة التاريخ، بالعكس كثير من القصائد ساهمت بكتابة التاريخ وإعادة كتابة التاريخ، وخير مثال على ذلك قصائد محمود درويش ونوري الجراح ونزار قباني وقاسم حداد وأمل دنقل. كان الشعر ديوان العرب واليوم الرواية هي ديوان العرب، بل ديوان كوني بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكن هذا لا يعني انحسار الشعر، وتراجعه. الشعر موجود ولكن بنسبة أقل، وهذا لا يدعو للقلق، لأن الشعر موجود باللاوعي الجماعي للأمة، ويعبر عنها ويتواجد مع غيره من الأجناس، وإنما تكمن كل القضية في أنه لم يعد هو وحده من يملك الهيمنة. ألا يكفي الشعر هيمنة استمرت إلى ألف عام، فلم القلق من سيطرة الرواية لمئة عام أو أقل من ذلك كثيرا.
تطرحين في بعض دراساتك «إشكالية الأدب الرديء» .. ما هي مظاهره الواقعية؟ وكيف ترين تأثيره على المشهد حاضرا ومستقلا؟
الأدب الرديء هو ذلك الأدب الذي يتواجد بالقوة وينتهك جماليات الأدب الأسلوبية والمضمونية، يقدم لغة ضعيفة في تركيبها وأسلوبها، واستعارات مستهلكة ومكررة، ورؤى فكرية بعيدة عن العمق المعرفي والإنساني والجمالي الرصين، مع غياب النزعة التأملية التحليلة، وتفاوت مستوى النص الإبداعي. تتطلب كتابة الأدب موهبة واطلاعا وقراءة وثقافة ودربة، ووعيا وثقافة رصينة يقوم عليها النص. نحن لا نريد أن نقرأ لكتاب لا يضيفون لنا شيئا على مستوى اللغة ولا تمثيل القضايا الإنسانية الحقيقة، أو رؤية مغايرة تجعلنا نفكر ونعيد إدراك الحياة بطرق مختلفة. فعندما يكون الأدب استهلاكا لثيمات الأدب في العصور الغابرة ومجازات قديمة مستهلكة فهو أدب لا يخاطبنا بل يخاطب الأجيال السابقة. أدب يسبب انتكاسة بالذوق العام، وقد يقود إلى هوة أخرى شبيهة بعصور الظلام. ولكن يتوجب القول، إن هناك أصواتا إبداعية يقوم عليها المشهد الإبداعي العربي اليوم ولكنها قليلة واستثنائية وما كثرت الأعمال الرديئة إلا نتيجة لتأخر القراءة في العالم العربي، وجشع دور النشر، وعدم خجل بعض من يسمون أنفسهم بكتاب من نشر تفاهاتهم على الملأ.
البحث عن البدائل
تشهد الكتابة الإبداعية تحولات متسارعة على مختلف الأصعدة .. كيف يمكن للناقد ملاحقة ذلك؟
لا يستطيع ناقد واحد أن يتابع كل شيء. بل لكل ناقد اهتماماته الجمالية التي تجعله يهتم بهذا الاتجاه أو ذاك، ويتابع مستجدات الحقول التي ينتمي لها وينشغل بطروحاتها. وبشكل عام، على الناقد أن يكون مطلعا على خريطة النقد الأدبي ومستجداته متفاعلا مع المستجدات وفاهما ومتفهما لنبض هذه التحولات ومعرفتها، في الوقت نفسه لا يجد نفسه متعبدا في محرابها بل يتعين عليه فهم موقع الحركة وإمكانية الاستفادة منها. وطبعا، هذا على حسب عمق هذا الناقد ودرجة قربه من المشهد الإبداعي العربي.
أغلب النقد لدينا يقتصر على النقد الأدبي، في حين هناك من يطالب بنقد «ثقافي» شامل .. ما رأيك؟
من حقهم المطالبة بذلك وهذا لن يؤثر على مكانة النقد الأدبي. التنوع مطلوب وتواجد كل هذه الأنواع من النقد لن يزحزح النوع الآخر. أحيانا، النقد الأدبي يعجز في خطابه عن فهم إشكاليات مستجدات الثقافة والإنتاج والإبداع والاستهلاك، مما يحيل إلى ضرورة البحث عن بدائل أخرى لفهم الظواهر الإبداعية وما يحدث بالعلن والخفاء حيث لم تعد النصوص الأدبية قادرة على بحثها ومناقشتها وعرضها ومعالجتها وتبيان الكثير من مواطن الخلل إما لخوف من المواجهة أو عجز في المخيلة.
أخيرا .. كيف ترين حضور المرأة الناقدة خليجيا وعربيا؟
المرأة الناقدة الخليجية متواجدة ولها حضورها الجيد. نحن نقع بين جيلين، الجيل الأول والجيل الثاني من الناقدات، اللاتي كان لهن دورهن اللافت في قراءة الأدب المحلي وفهمه مثل الدكتورة نورية الرومي، والدكتورة نجمة إدريس، والدكتورة كلثم جبر. والآن هناك جيل من الناقدات مثل الدكتورة أنيسة السعدون والدكتورة أنوار السعد، والدكتورة منى جبراس السليمة، والدكتورة شيمة الشمري، والدكتورة منيرة الغدير، اللاتي يكتبن ويقدمن قراءات للأدب الخليجي والعربي. ولكن عند تأمل واقع الممارسة النقدية النسائية، نحن بشكل عام لدينا نسبة قليلة من النقاد في الخليج العربي، ونسبة أقل بكثير من الناقدات النساء. أخشى أن المرأة الكاتبة والناقدة الخليجية والعربية تعيش وفق المقولة التي قالها بيركليس: «المجد المضيء في حياة المرأة هو ألا يتحدث عنها أحد». وهو ما تؤكده فرجينا وولف في كتابها «غرفة تخص المرء وحده» قائلة: «إخفاء هوياتهن كان يجري في دمائهن والرغبة في حجب أنفسهن لا تزال تمتلكهن». نحن بصدق بحاجة إلى ناقدات يظهرن إلى الساحة النقدية بقوة، ويتفاعلن بشكل أكبر مع القضايا المطروحة.
وإذا كانت مي زيادة ذات مبتهجة تقول: «نسجل هنا للمرأة فتحا جديدا وحافزا ميمونا لنساء العالم في سيرهن إلى الأمام. الاغتراف من الثروة الإنسانية الكبرى، ثروة الفن والفكر. ونزيد اقتناعاً، نحن حاملات القلم في مصر وفي الشرق العربي، بوجوب الإقلاع. عن العبارات المنسوخة والاستعارات الجامدة والخواطر المتكررة». فماذا تراها تقول اليوم أمام تأخر النقد وتراجع دور النساء في تقديم كتابات جريئة خارج دائرة المألوف أو الخطوط التي رسمتها لها المجتمعات الأبوية.
حقيقة، أرى أنه على الناقدة المرأة أن تحترم دورها التاريخي وتقوم بمسؤوليتها في الكتابة والمتابعة، ولتعلم جيدا أننا في مرحلة تاريخية معينة ليس لدينا ترف الاختيار أو التفضل على النصوص بالكتابة عنها، بل عليها المضي في قراءة إشكالياتها الثقافية بكل جرأة وموضوعية متزودة بسلاح المعرفة والمفاهيم التي تعينها في طرح جدليات حياتنا المعاصرة، وتبتعد عن اتباع لغة وأسلوب ولغة الغالب، كما تتجنب استهلاك الرؤى الذكورية في مناقشاتها المتعددة. باختصار المطلوب شجاعة وعمق ورؤية نقدية ثاقبة وانشغال مسؤول بكثير بالمشهد الإبداعي الثقافي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. أحبائي
    الدكتورة سعاد العنزي أستاذة نقد ومن الأصوات التي تنادي بالتميز والجدية
    هي تريد من المبدع أولا ومن الناقد ثانيا كل منهما في مجاله تحمل المسؤولية
    والجدية عند الدكتورة سعاد العنزي لاتعني التطرف ولكن بذل الجهد بمصداقية
    وبالنسبة للنقد فقد مارسته أنا مضطرا عشرات السنين في الندوات الكبرى القاهرية
    وقلت في كل وسائل الإعلام أن النقد يدار بالهوى والمصالح والأمر وليس بالموضوعية
    أنا أتابع بعض كتابات د سعاد منذ فترة وأحاديثها وأطروحاتها وأتمنى لها التوفيق بصفة شخصية
    أحبائي
    دعوة محبة
    أدعو سيادتكم الى حسن التعليق وآدابه..واحترام بعضنا البعض
    ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
    جمال بركات…رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة

    1. استاذنا الأديب الكبير جمال بركات
      عندما علقت على حوار الدكتورة سعاد العنزي لم أكن قد رأيت تعليقك الجميل
      أعتدنا أن تكثف لنا في بضع عبارات مايكتب في كتب وموسوعات
      وأنا كمحبة للإبداع ابحث دائما عن النتميز وأنت صاحب التعليقات المميزة التي كثيرا ما لاحقتها وعلقت عليها على الشبكة العنكبوتية
      تحياتي وتقديري

  2. كلام واقعي من ناقدت تعي تماما ماتقول عن مجتمع عايشته وتعرف كل حركاته وسكناته
    أمثال الدكتورة سعاد العنزي نحن بالفعل في حاجة اليهم وخاصة النساء لإحداث انطلاقة مجتمعية كبيرة

  3. حوار جميل واسئلة جيدة لناقدة متمكنة من ردودها وتعرف كيف تشرح وجهة نظرها وتدلل عليها وأسئلة جادة من محاور متمكن

  4. شكرا جزيلا أعزائي على التفاعل والتعليق. مجلة “التكوين” منبر الجميع، ونسعد بحوار كل المبدعات والمبدعين، كما تشرفنا بحوار د. سعاد العنزي وغيرها العشرات من مختلف أقطار العالم العربي.

    تقبلوا خالص المودة

    حسن المطروشي

إغلاق