الفني

مالك المسلماني: “ولد البلد” أعاد للفنانين أملهم بالمسرح

كتب المحرر الفني:

وصف المخرج مالك المسلماني مسرحية “ولد البلد” بالمغامرة، مشيرا إلى عدة مستويات في النظر إلى مفهوم المغامرة، يراه البعض في الفكرة والطرح، والبعض على مستوى تكوين المجموعة التي قدمت العمل على مدار ثلاثة أيام في قاعة المسرح بمركز عمان للمؤتمراتوالمعارض، وعددهم 28 فنانا وقفوا على الخشبة بينهم من غاب نحو ثلاثة عقود عن العمل المسرحي. 

وقال المسلماني، وهو أيضا مؤلف العرض ومنتجه،إن “ولد البلد” جمعت ثلاثة أجيال بشكل واضح وصريح، جيل الرعيل الأول وبينهم الفنانون فخرية خميس وصالح زعل وجمعة هيكل وعبدالغفور بن أحمد البلوشي، وجيل الشباب الصاعد مثل عبدالحكيم الصالحي وقاسم الريامي، وجيل ثالث من طلبة الجماعات المسرحية في الكليات، مشيرا إلى أن إيجاد مستوى واحد من التفاهم يعد تحديا، فلكل جيل خلفيته وأسلوبه ومرجعيته، لكن استطاع فريق العمل إيجاد الانسجام بينهم لتقديم عمل جماعي.

وأضاف مالك المسلماني أن العمل “خلق انسجاما بين الأجيال من حيث الأسلوب والاقتناع ببعضهم البعض، وهذا كان تحدّيا حقيقيا، أما التحدي الآخر فكان المكان، مسرح مدينة العرفان بإمكانياته الهائلة، ويعد الأكبر في الشرق الأوسط،فكان من المهم جدا تقديم عرض افتتاحي يليق به، وبما يمتلكه من الإمكانات المتاحة”.

ويتحدث مالك المسلماني عن الفريق بفخر، ويرى أنه لم يجد صعوبة كبيرة في إقناع النجوم للعودة، فيقول: “فاجأني شغفهم، خاصة أنه جاء بعد إحباطات هائلة من مستوى الدراما التلفزيونية لذلك قبلوا التحدي المسرحي، أنا سبقتهم في الإحباط، بينما هم أخذوا وقتا للسير فيه، وليكونوا على تواصل مباشر مع الجمهور”.

ويشير المسلماني إلى تحدّ آخر، الأسلوب الكوميدي المتبع لدى الأجيال السابقة، كوميديا اللفظ والتعليقات، بينما لغة النص هي كوميديا الموقف، لكن “صارت هناك قناعة من الجميع بأننا أمام عمل يشكل فارقا في التجربة، أوجد العمل ندّية وحماسا أكبر كلما اتضحت الصورة أمامهم أكثر”.

ويمضي المخرج مالك المسلماني في سرد التحديات التي واجهها في العمل، وبينها “الترويج” لعمل يراد له أن يغطي كلفة إنتاجه العالية التي اقتربت من مائة ألف ريال عماني، يقول: كان السؤال كيف يمكن الدخول بتذاكر، كتجربة غير معهودة في المسرح العماني؟، وبأرقام لم تكن معهودة أيضا، وكيف يقتنع الجمهور بقدرة المسرح المحلي على تقديم عرض حقيقي يستحق دفع تذاكر لدخوله؟”.

فيعقبعلى ذلك بالقول:”تهمنا تغطية التكاليف لأنه لم تكن هناك رعاية لا خاصة ولا رسمية، وتكلفة المسرحية كبيرة جدا، وكانت رؤيتنا لعدد العروض والكراسي المتوفرة، والتحدي أن نخرج من تحت السكين، والحمد لله نجحنا إلى حد ما، قمنا بتغذية الفارق في المصاريف من خلال عملنا الصباحي في الشركة، وهدفنا أن لا تتوقف المسرحية”.

وندخل في التفاصيل مع مالك المسلماني ليشير إلى أن إيجار قاعة العرض قاربت الـ 14 ألف ريال، علما بأنها مازالت تحت إدارة شركة استرالية وبعد عامين تعود إلى إدارة مركز المؤتمرات.

وسألنا مالكا عن توقعاته لحجم النجاح الجماهيري فكان جوابه مفاجئا: “توقعت حضورا أكبر”، لكنه يعود للحديث عن نجاحات أخرى وهي وصول العرض إلى الجمهور العادي، من خارج دائرة المسرحيين، فيقول: “النجاح الحقيقي هو ذلك الشغف الذي وجدناه لدى الجمهور العادي، ليس جمهور المسرحيين حيث نأكل ما نطبخه، بل الجمهور الذي جاء ليتذوق، الفرحة بالصدى الإيجابي لدى جمهور لا نعرفه، كبار الشخصيات من وزراء ووكلاء ومسؤولين كبار دخلوا العرض بتذاكر وصعدوا إلى الخشبة لتحية الفنانين، كانت تجربة فريدة، حضور الكتاب والأدباء والشعراء،

ولهم آراء خاصة أسعدتنا جدا”.

لكنه لماذا يرى أن الجمهور العادي هو مقياس النجاح وليس المسرحيين؟ يجيب “الكاتب والمخرج والمنتج” مالك المسلماني: المسرحيون، إلا قلة منهم، يأتون للعرض متقمصين دور لجنة التحكيم، ينظرون للشكل لا الطرح أو الفكرة، يتحدثون عن ماذا يمكن أن يكون في الخشبة وكيف وضع الديكور وحركة الممثلين، وللأسف لم أجد من يتحدث عن مضمون الفكرة إلا نادرا”، ويضيف: “أسعدنا ذلك الجمهور الواعي والناضج بشكل كبير، ينفجر ضحكا وقت الكوميديا، ويلتزم الهدوء في أوقات التأمل، معنا على الخط” مشيرا إلى حالة من المفاجأة أصابت حتى الفنانين من وعي الجمهور، مشيرا إلى أن الفنان جمعه هيكل الذي ترك المسرح منذ عام 1988 عبّر عن رأيه بصراحة إزاء ذلك، مع الفترة التي ابتعد فيها عن الوقوف على خشبة المسرح.

ويشيد مالك المسلماني بالتجربة مع مركز عمان للمؤتمرات والمعارض، يقول: “ما رأوه من نجاح حفزهم ليفتحوا لنا الأبواب لتقديم تجارب أخرى، ووعدونا بطلب اشتراطات أقل لا تثقل كاهلنا، وتحدثنا لتقديم عرض رابع”.

وحيّى المسلماني النجوم القدامى، مشيرا إلى أن المسرحي حينما يصل إلى سن الأربعين تأخذه الحياة بعيدا عن الخشبة، ولما يتطلبه العمل المسرحي من جهد، ويضيف: “فوجئت بأن الفنانة  فخرية خميس تطالب ببروفات أكثر وبإلغاء أوقات الراحات، البروفات أخذت شهرا ونصف الشهر، وكانت بين خمس إلى ست ساعات يوميا، مؤكدًا أن التجربة في “ولد البلد” أوجدت حالة فنية جميلة، الفنانون الشباب اقتربوا من النجوم القدامى، استمعوا للتوجيه والملاحظات وعززوا إمكاناتهم وقدراتهم بالاستماع إلى من سبقوهم،الجميع يشعر بأنها تجربة للتاريخ”.

ويختتم المسلماني حديثه عن مضمون العرض بأنه حالة عامة تعرفها سائر المجتمعات، ودور الفن أن لا يتوقف عند حدود الزمان والمكان، فحينما يعمل المسرح على تشريح الحالة لا تجريح أشخاص فإنها أكثر رسوخا وأوسع مدى، ولأننا في العالم العربي متشابهون إلى حد كبير فإن تناول الواقعين السياسي والاجتماعي يعد جرأة، وهما مترابطان، و”ولد البلد”عرض فني “يقدم نموذجا لكيف يمكن أن يكون المرء متماسكا ثم يرضخ، والأحداث تخبرنا كيف سارت عليه بعد ذلك”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق