الثقافي

ثقافة الشرف وتجلياتها في المجتمع العربي

حسن المطروشي

يقول الكاتب الأمريكي رافائيل باتاي في كتابه (العقل العربي) (The Arab Mind) في أحد فصول الكتاب الذي خصصه عن ثقافة المجتمع العربي: «ومما يثير الاستغراب أن شرف الرجال يعتمد، على نحو شبه كلي، على أعراض نساء الأسرة».
الكتاب الذي يتناول المجتمع العربي في فترة السبعينيات من القرن المنصرم، يرصد في جانب منه تحولات في موقف الإنسان العربي من قضية جرائم العرض والشرف. ففي الوقت الذي تصر فيه أغلب المجتمعات العربية على قتل الفتاة أو المرأة التي تخل بشرفها، من أجل استرداد كرامة العائلة وشرفها وسمعتها، ثمة مجتمعات عربية أخرى بدأت تتسامح أو تتهاون في هذه المسألة.
وإنني على ثقة تامة لو أن الكاتب أعاد طباعة الكتاب الآن لاضطر لإدخال الكثير من التعديل والحذف على الكتاب فيما يتعلق بنظرة العربي للشرف والعرض، إذ أن نظرة واحدة على شاشات القنوات الفضائية العربية تعكس ما وصل إليه العربي في هذا الجانب. وخير دليل على ذلك هذه الفتيات العربيات والحسناوات اللاتي يرقصن شبه عاريات في أغاني الفيديو كليب التي تبثها قنوات الموسيقى التي هي في أغلبها أشبه بكبريهات ليلية لعرض الأجساد النسائية المبتذلة.
إن استغراب الكاتب الأمريكي رافائيل باتاي من موقف العربي في تلك الفترة تجاه الشرف والعرض لا يثير استغرابنا نحن البتة. فهو يقدم مقاربته للموضوع منطلقا من مرجعياته الثقافية الغربية، والأمريكية على وجه التحديد. أقول ذلك وأنا أتذكر خبرا تناقلته وكالات الأنباء بالصور، حول مهرجان تكريمي أقيم في الولايات المتحدة الأمريكية لممثلي وممثلات الأفلام الإباحية، وهو مهرجان يقام سنويا على غرار المهرجانات السينمائية المعروفة.
ومما لفت انتباهي في هذا الحفل حضور أحد الأزواج برفقة زوجته الممثلة الإباحية التي كانت عدسات المصورين تلتقط تفاصيل جسدها من خلال ثوبها الفاضح، في حين كان الزوج يتمايل مفتخرا كالطاووس بقبعته السوداء على رأسه الأصلع، مرتديا نظارة سوداء واضعا في فمه سيجارة من النوع الفاخر، وهو يوزع البسمات هنا وهناك.
هذه الرؤية الغربية الاستغرابية لنظرة العربي للعرض والشرف كانت مثار اهتمام الكثير من الباحثين والمفكرين ووسائل الإعلام في الغرب، الذين عرضوها كل وفق رؤيته ونواياه أحيانا. وما زلت أتذكر الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة البي بي سي البريطانية عن هذه الظاهرة في المجتمعات الشرقية على وجه العموم، حيث بثت صورا لقبور وأضرحة في بعض المناطق النائية من باكستان قالت إنها تعود لنساء من ضحايا الشرف. والحديث عن هذه الظاهرة في شقها العربي مؤلم وذو شجون.
البعض لدينا وخصوصا في منطقة الخليج العربي ما زال يرى ذكر اسم الزوجة في حضرة الرجال عيبا ومنافيا للأخلاق والشرف، فيستخدم بدلا من اسم الزوجة مصطلحات مختلفة مثل(أم فلان) أو (أم العيال) وغير ذلك من الأشياء التي تبعد عنه الحرج في ذكر اسم الزوجة، في حين نعرف نحن نساء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء الصحابيات وأعلام الأدب والشعر والثقافة من النساء في العصور الإسلامية الأولى.
للمفكر السوري الدكتور محمد شحرور رأي مغاير عن المتعارف عليه في الثقافة العربية السائدة يوضحه قائلا: «عند العرب الرجل له شرف والمرأة ليس لها شرف، والرجل له عرض والمرأة ليس لها عرض. بمعنى أن المرأة إن قامت بعمل مناف للأخلاق ذهب شرف أخيها وأبيها وانهدر عرضهما، أما إن قام الرجل بذات العمل فلا يتأثر شرف أمه أو أخته بذلك». ويضيف الدكتور محمد شحرور: «تلعب هذه المصطلحات «كما قلنا» دورًا أساسيًا في حياة وسلوك جميع أفراد الشرائح والطبقات في المجتمع، بدءًا من زعيم الحزب الشيوعي ومرورًا بزعيم القومية العربية وانتهاء بشيخ الأزهر. جميعهم أمام ما يتعلق بالمرأة يحملون العقلية البدوية. وبرغم كل شعاراتهم التنويرية أو التقدمية فموقفهم من المرأة واحد, زوجة وابنة وأختًا وأمًا. ومن هنا أذهب إلى القول إنه دون إصلاح فكري ديني ثقافي، لا أمل لنا بتحقيق أي إصلاح سياسي. دون إعادة نظر في الثقافة السائدة، ودون الدخول في الخطوط الحمراء لمئات المحرمات التي تحكم حياتنا اليومية، دون تحليل لما أصبح اليوم عندنا من المسلمات، لا أمل لنا دون ذلك كله بتحقيق أي إصلاح سياسي».  وأمام هذه الرؤى والمواقف المتطرفة حول مسائل العرض والشرف يقف الكثير من المبدعين وحملة الفكر في حيرة من الأمر، حيث يقف اسم الفتاة حاجزا مرعبا، وهو الأمر الذي يحدو بالفتاة في كثير من الأحيان إلى الكتابة بأسماء مستعارة خوفا من الفضيحة! وهذا يعني باختصار أن هذه الكاتبة ليس لها من إبداعها نصيب، وتظل تنزف حبرها طيلة حياتها باسم شخصية وهمية لا يعرف أحد أين عاشت ومتى ماتت! أعتقد أن ثمة منطقة وسطا بين هذا وبين ذاك، وعلينا أن نبحث عنها بوعي وإدراك دون الوقوع في الانحلال والتهتك، أو الإفراط والمبالغة في المثالية العمياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

    1. ليصلك كل ما هو جديد في بيت الغشام ومجلة التكوين عبر الـواتساب

      ‏1.‏ اضغط على الوصلة التالية
      ‏2.‏ خزن الرقم لديك‎*‎
      ‏3.‏ أرسل كلمة اشتراك

      https://wa.me/96891488174

      *‎تخزين الرقم ضروري لنتمكن من إرسال كل ما هو جديد لك عبر الرسائل الجماعية‎.

إغلاق