العام

سعيد الحبسي.. محارب يقاوم السرطان بالابتسامة

منتصرون.. في الحياة

  • لم ينكسروا حينما تضاعف الألم، ألم مرض أو فشل أو إدمان، أو أي نوع مما قد يضعف الإنسان في حياته، ولأنهم عرفوا قسوة المعاناة، وتذوقوا مرارة طعمها فإنهم يدركون أكثر من غيرهم معنى النهوض مرة أخرى.. في التكوين نفتح لهم هذه الصفحات ليرووا تجاربهم، محفزين الآخرين ليتمسكوا بالأمل، وأن المصيبة التي تهزّنا تبقى صغيرة أمام خالق كبير، قادر على أن يهدينا إلى صراط الصحة أو مما نحتاجه لنقف من جديد.. حكايات ملهمة، في آلام أصحابها ما يعطينا دفعة قوية للإيمان بأن إرادة الإنسان قادرة على صنع الابتسامة من جديد.
  •   عامر بن عبدالله الأنصاري

1

ابتسم، جملة يقولها محارب المآسي سعيد بن حمود الحبسي في وجه كل الصعاب والتحديات والآلام، جملة في وجه الصدمات التي تعددت في مسيرة حياته، وليس آخر مآسيه مرض سرطان الغدد اللمفاوية الذي يحاربه بين فترة وأخرى، يعود ويرجع إليه للمرة الرابعة، ولا يعلم هل سيعود إليه ذلك الخبيث بشره أم لا؟ وهل ستنتهي محاربته لمسبب السرطان -المشكلة الحقيقية التي تواجه جسده المنهك- أم ستتواصل إلى أن يُغلب أمره؟ فأساس مشكلة بطلنا الحبسي ما يعانيه من تَلُّيف مزمن في قنوات البنكرياس، الأمر الذي يستدعي تنظيفا بين فترة وأخرى وتكلفة باهظة وجلسة تصل إلى أسبوع كامل على سرير مستشفى في الفلبين، حيث لا تترفر تقنيات غسيل البنكرياس في السلطنة ولا في المنطقة.

2

ابتسم، شعار بدأه الحبسي قبل حوالي 25 عاما، وقبل أن يصاب بمرض تليف البنكرياس والسرطان، فإن أمله في محاربة المآسي كبير جدا، بداية بوفاة والده بمرض السرطان في الثمانينات، مرورا بمرض أخيه محمد الذي كان يعاني من خلل في المخيخ، وأخيه أحمد الذي كان يعاني من فشل كلوي، وأخيه سعود الذي كان يعاني من تليف بالكبد، مآسٍ واجهها الحبسي بابتسامة ورضا وحب لأسرته وتشبث بها بكل ما يملك من حب ويقين وجسد!

ابتسم الحبسي رغم ألمه بوفاة والده أملا بأن الحياة لا تتوقف ويمكن أن تسعده، ولم تمضِ سنوات كثيرة حتى يسقط أخوه محمد في وجه الموت بعد صراع طويل مع الألم، ومع ذلك حمل الحبسي شعاره المبتسم، فالحياة بها من الأعزاء ما تفتح أبواب السعادة له، إلا أن الآلام تلاحقه، فيرفض الاستسلام، ويمضي بعزم لا ينام، فيواجه مرض أخيه أحمد بعدما علم بمعاناته من الفشل الكلوي، يجاهد ليرهن نفسه متبرعا للكلى لأخيه، وكان أول متبرع بالكلى عام 1991 وتُشْهَرُ قصته في الاعلام بعد عامين من نجاح العملية في السلطنة، نجح في انقاذ أخيه أحمد وارتسمت الابتسامة في أبهى حللها، فأعطته دفعة كبيرة من الأمل ليتأكد أن الحياة التي منحها الله إياه تستحق ان تعاش في سعادة.

أما قصة أخيه سعود، فهي التي كانت مفتاح الصدمة في حياته، مفتاح أغلق من خلاله حملة ابتسم، وهو ذات المفتاح الذي فتح به باب الحملة من جديد، فبعد أن علم بإصابة سعود بتليف الكبد، سعى جاهدا ليتبرع بجزء من كبده لأخيه، في خطوة ثانية يلتمس من خلالها أملا في حياة روح أحبها، بين السلطنة والسعودية ودول الجوار، لم تكن حينها التقنيات متاحة للتبرع بجزء من الكبد، وصل إلى الصين قبل 15 سنة التي أمَّلته بتوفر زراعة الكبد، إلا أنه تلقى خبر إصابته بالسرطان بعد الفحوصات التي اجريت له، وبعد موجة من الاستنكار ومحاولة عدم تصديق ما يقال له، استسلم للبكاء، وللمرض، وانتظر الموت!

هل نسي الحبسي ما كان يدعو إليه في حملة ابتسم؟ إلا انه وبقليل من الهدوء الذي اعتراه عزم أن حملة ابتسم لن تتوقف، بل يجب أن تستمر باستمرار حياته، وحياة اخيه سعود الذي لم تحالفه الحياة، متابعا قطار الموت الذي قد سبقه به أبوه وأخوه محمد، وحملة ابتسم لا تزال صامدة بعد أن أخذت إجازة قصيرة، واستمرت حتى حينما تضاعفت مشاكل أحمد ففقد بصره، فبات كفيفا إلى اليوم.

3

فقد بطلنا الحبسي تجارته، وبات ينفق كل ما يملك في مسيرة العلاج ومحاولة علاج أخيه سعود، الصين لم تبق في جيبه مالا، ولم تذر، والعلاج في الفلبين اضطره لبيع املاكه من منزل وأرض، وهكذا الحال يمضي والأموال تنفق على الصحة، فيحتاج الحبسي إلى جلسات غسيل للبنكرياس في كل 5 إلى 6 أشهر مرة واحدة، حتى لا يعود السرطان إليه فيأخذ ما تبقى من وزنه الذي وصل إلى 51 كيلوجراما بعد أن كان قد تجاوز الـ 90 كيلو جرامًا، وحتى لا يتواصل به الألم والتعب، فمرض البنكرياس يقعده الفراش في أحيان كثيرة، إضافة إلى الأعراض الملازمة والتي لا يمكن ان تُذكر، ويكلفه الغسيل حوالي 5000 ريال عماني في كل عملية غسيل، يتحصل عليها بين تبرعات لا يضمن استدامتها ليعيش بسلام، وبين تكفل الطيران العماني بنقله وأمور أخرى تساهم في علاجه.

4

الأمور الأخرى التي ساهمت في محاربة مآسي سعيد الحبسي هي حبه لعمل الخير، ومبادرات كثيرة قام بها، تزرع في نفسه الأمل، وتنشر الابتسامة، أحب فعل الخير منذ زمن طويل، رفع شعارات كثيرة بعد أن تبرع لأخيه احمد بإحدى كليتيه، ومن تلك الشعارات «تبرع بكليتك بعد موتك»، و «تبرع بكليتك في حياتك»، في سبيل أن يمنح الانسان أخاه حياة جديدة إذا استطاع ذلك في حياته أو بعد مماته، أراد أن يثبت للعالم اجمع ولأبناء السلطنة أن التبرع بالكلى لا ضير فيه، فقام لحملة دعائية إنسانية كبيرة، فمشى من ولاية المضيبي إلى محافظة مسقط برفقة مشرفين من الصحة والشرطة وجماهير، فوصلت الرسالة، وبعدها مشى من أبوظبي إلى دبي ليرفع نفس الشعار، على نطاق واسع، وكذلك في المغرب.

وحتى بعد إصابته بالسرطان، لم تتوقف مسيرة الخير، وحملة ابتسم ليست ابتسامة تعتلي محيا سعيد الحبسي فقط، بل صنعت الابتسامة على وجوه الآخرين.

تزوج الحبسي من الفلبين، ولديه 3 أبناء أكبرهم فتاة بالجامعة وشابان، اشتهر الحبسي في الفلبين بلقب «عربو»، وما ان استمرت الأيام حتى اشتهر بلقب «سمايل مان» الرجل المبتسم، حيث قام بالعديد من الاعمال الخيرية التي آوت أطفالا وعوائل كثيرة ومنهم مرضى السرطان، فرغم مصارعته المرض، ورغم عوزه، إلا أنه يعمل وسيط خير بين المحتاجين ومحبي الخير سواء من السلطنة أو من الفلبين بالنفس.

مبادرات كثيرة تقدم بها هناك، وما زالت نتائجها باقية، فقد توسط لكفالة حوالي 500 طفل معدم بهدف تدريسهم ووفر لهم الحقائب والكتب والملابس الرياضية التي ذهبت من السلطنة إلى هناك بمبادرة من الطيران العماني، وفي مواجهة إحدى الأعاصير وفر تبرعات انتجت وجبات غذائية لأكثر من 8000 فرد، ومبادرة اطلق عليها يوم الزراعة، هدفت إلى غرس ثقافة الزراعة في فناءات المنازل للأسر المعسرة، حتى تتوفر لها لقمة هنية وتحارب بها فقرها، وكل ذلك في الفلبين، وحصل على أكثر من 13 شهادة تقدير من الحكومة الفلبينية.

والسؤال، هل بادر الحبسي بمبادرات في السلطنة أخيرًا، هل طبق فكرة يوم الزراعة العالمية في السلطنة، وهل وقفت معه الجهات المعنية وقفة جادة، ربما تكون هناك مبادرات خجولة مقارنة بما وصل إليه من عمل الخير في الفلبين، وهل تكفل بعلاجه رجل أعمال أو وزارة ما أو جهة ما، تلك أسئلة لم أجد لها إجابة، وربما لأسباب لا يود الحبسي ذكرها!

5

يا لهذا الحبسي الفريد، يصارع المرض بالابتسامة، ويكافح الألم بزراعة الابتسامات على وجوه الآخرين، ينهكه الألم الناتج عن تليف البنكرياس، ويزداد ألمه فيأخد أنواع المسكنات القوية، يوازن الألم، ويضع لها مقاييس في عشر درجات، فحينًا  يكون ألمه درجتين، وحينا يكون ألمه أكثر، وحينا في المستشفى للحصول على جرعة من المسكنات تضمن ابتسامة تُغَلِّف الألم، وإذا اشتد به الألم يسارع إلى حضن أمه، يحنو إليها كطفل لا يجد ملجأ إلا إليها، يحتاج إلى تربيت يدٍ صارعت المآسي مثله، وقلب يمتلئ عطائا رغم ضعفه، وانفاس يأمل أن لا يفارقها، وعيون تتحدث وتعرف مدى الألم الذي جره إليها وفي أحضانها، ليعيش بين صراعين، أحدهما من شدة الألم الذي يعتريه، والآخر حتى لا يكسر قلب أمه التي تعرف أنه لولا ما به من ألم لما جاء إليها، تتلمس جبينه الممتلئ بالعرق رغم الجو المعتدلة، فلا يمضي كثيرا في حضرة الحنان حتى يمضي إلى غرفته جارا وراءه خيوط التعب والألم، دون بوح، ولا آهات، بل بالابتسامة.

أيها الحبسي، واصل صمودك في ابتسامة، وواجه الحياة بيقين، وواصل عمل الخير، وسيأتيك الخير بكل يقين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق