الفني

أسطورة القناع

العاج من المواد التي تصنع منها الأقنعة، فكما يعتقد أفراد القبائل الأفريقية أن خصائص الحيوان وقوته وشجاعته وطول عمره تنتقل إلى أسنانه العاجية وأقرب مثال على ذلك قناع من قبيلة (بامون) في أفريقيا. وبشكل عام إن الأقنعة المصنوعة من العاج تستعمل في الاجتماعات السرية والممارسات السحرية أما الأقنعة الخشبية فهي للاحتفالات العامة لحماية أفراد العائلة من الشياطين والأرواح الشريرة. يضاف إلى ذلك الخامات التي تضاف إلى الأقنعة كالصدف وريش الطيور .

د/ سميرة اليعقوبية
دكتوراه في المناهج والتدريس

بناء على معتقدات قبيلة (شوكوي) في أفريقيا فإن أرواح الأجداد تلعب دورا حاسما في حياة المنحدرين من نسلهم، كما أنها تحمي الناس من الأشرار والعناصر الخارقة للطبيعة شكل(1)، لذا فإنها تستخدم خلال طقوس تولي الملك الحكم. وفي قبيلة (دان) يصف لنا الكاتب حال الراقص الذي يرتدي القناع، أنه يذهب في سبات عميق حيث يتلقى رسالة حكمة من الأجداد وتنطق عادة بطريقة لا يمكن السيطرة عليها فيقوم رجل مترجم بترجمة الرسالة والتي هي عبارة عن كلمات حكيمة ترشد الأشخاص إلى الصحة والخصوبة والازدهار. وتكمن حاجتهم إلى الأجداد أيضا في استشارتهم في موقع القبيلة أو زراعة المحاصيل أو رحلة الصيد أو للحرب كما هو الحال في قبيلة (فانغ).
ويرجع الاهتمام بعرض الرأس بحجم أكبر من الرأس الطبيعي في كثير من المنحوتات الأفريقية إلى وجود الأفكار في رأس الإنسان حيث يعتقد الأفريقيون بأن هذه الأفكار تنتقل عند الموت إلى جماجم الأجداد ومنها إلى الأشخاص الآخرين. وفي تقاليد (Mahayana) البوذية يعتبر القناع الراقص من القرن السابع عشر شكل (2) في رقصة (Cham Dance) جزء من التقاليد الثقافية والدينية والهدف من هذا الرقص هو قتل ملك الشر وحماية الناس من الأذى كالأمراض وضمان الصحة لهم .
في الكونغو البلجيكية تحديدا في (الجاد) يصنع الفنانون أقنعة خاصة تسمى أقنعة القبور تلقى مع الميت في قبره مع كرة طينية يرسم عليها صور ورموز سحرية بحيث تمنع الأرواح الشريرة من الدخول مع جثة الميت. الشكل(3) يوضح هذه الفكرة في قبيلة (بيت) في ساحل العاج حيث يرجع استخدامه إلى زمن المجتمع (غيلا) وكما نشاهد في القناع هناك شيء من الصرامة والتحدي الذي يعطيه هيبة ترافق الشخص أينما حل.
وقدماء المصريين صمموا شكل قناع على وجه الميت لاعتقادهم أنه يقود الروح إلى المثوى الأخير الذي يرتاح فيه جسد الميت، إلا أن الخامة هنا تختلف حيث أن مكانة الشخص الاجتماعية تحدد الخامة، فالشخص العادي يرتدي قناع من خامة الجص والبلاستر أما الشخص ذو المكانة العالية فالقناع تكون إما من الذهب أو الفضة شكل(4).
تلوين الأقنعة له قدسيته فلا تستخدم كافة الألوان بل ألوان ترتبط بموقف الإنسان من الكون والحياة مما يمكنه من تفسير الطقوس الدينية والسحرية وفهمها فهي إما تجلب السرور والفرح أو تنذر الأفراد من خطر أو نحس، وكل لون له دلالته عند بعض القبائل فمثلا قبائل (سونغي) في زائير ترمز باللون الأبيض إلى صفاء الروح، أما البني والأزرق فهما يرمزان إلى الطبيعة كقوة ايجابية ومثال على ذلك قناع (كيفيب) شكل(5). أما في قبيلة (كيويلي) فاللون الأبيض يمثل روح العالم والهدوء والسكينة، وعند قبائل (باول) من ساحل العاج القناع الأحمر قناع يمثل الأنثى والأسود يمثل الذكر.
يوجد النحت في القبائل الزراعية لارتباطها بفكرة الخصوبة والأرض، فأكثر قناع محبب لدى قبيلة (شوكوي) هو قناع (شيهونغ) والذي يرتديه الرئيس أو أحد أبنائه كرمز لروح الثروة وجلب للخصوبة. وقبائل (باغا) استخدموا قناع (أنوغ) الذي يمثل رأس طير في فترة الحصاد لشكر الله على زيادة المحصول، فهناك أرواح تدعى (كاشيناز) أحضرت المطر لقبائل (بيبلو) لكي تستقر في قاع بحيرة الصحراء. وفي هذه القبائل يرى الكهنة فكرة الخصوبة كطقوس، لذا تحمل النساء الدمى فتلبسها وتزينها بالجواهر وتضعها في السرير حتى تنجب ثم تهدي الدمية لطفلها.
تستعمل قبائل الكونغو البلجيكية أقنعة لاحتفالات التأهيل وتسمى (منياكي) تلبس على الوجه وترمى بعد انتهاء المراسيم حيث أن القوة والتأثير السحري ينتهي بانتهاء المراسم. وقبيلة فانج يرتدي الذكور في تجمعاتهم السرية قناع (ناغيل) شكل(6) عند تقديم الأعضاء الجدد وكذلك من أجل معاقبة المعتدين.
مناطق الشمال الغربي من الساحل الهندي في شمال أمريكا ينفذون أقنعة مع أجزاء تخفي الوجه وتمثل صورة الشخص مفترضة بأن الروح الإنسانية تملك أشكالًا حيوانية وبالعكس فصانع الأقنعة يدمج الشخص مع الطير. وخصصت رقصات في الهند باسم كل من النمر والثور والحصان شكل (7) تنفذ مع قرع الطبول وكل من هذه الحيوانات توحي لصاحبها بالهيبة وبصفات هذا الحيوان من قوة وشجاعة.
وفي مجتمعات تعتقد بأن القوى الخارقة للطبيعة تسمح للشخص بالتغيير من رجل إلى حيوان كالفيل والثور والسحلية من خلال حلقة وصل بين الإنسان والعالم الروحي بتوجيه من الأجداد في طقوس خاصة. فالأقنعة التي على شكل فيل وثور تمثل القوة والسيطرة.(ايفا) العاصمة الدينية لقبائل (يوبا) في أفريقيا تصور تماثيل مخلوقات بشرية برؤوس حيوانات وهي مرتبطة بالأساطير كأسطورة السمكة برأس بشري التي حدثت لأحد ملوك (يوربا) إذ قطعت رجله كعقاب إلهي. وفي زائير ارتبطت الأقنعة بالأساطير وقد مثلت آلهة من الخيال ومثال على ذلك قناع (Ngaady a Mwaash) شكل(8) وهو قناع ابنة الإله (ووت) والمصنوع من الخشب والألياف والأصداف والخرز. وإذا أمعنا النظر في هذا القناع فإننا نجده يحمل الطابع الأنثوي بعكس الأقنعة السابقة.
صانع الأقنعة لم يكن منشغلا بفكرة التميز والفردية وإنما كان همه هو تشكيل صور لكائنات من خارج المحيط المادي، كان يرى تلك الأقنعة وسيلة الوصول إلى عالم خفي تسكنه الآلهة والأرواح التي تشارك الجنس البشري في الكون. إن قوة رموزه تكمن في تطابقها مع الأفكار التي يملكها هذا الفنان عن الكائن في جوهره ومع التصور الذي ينشئه عنهما من خلال علاقتهما به.
تسود المجتمعات التقليدية الطمأنينة والوحدة والتماسك من خلال الوفاء لروح الأجداد، والنزعة الروحية الجماعية لا تنفصل عن العالم فهي ظاهرة في التحام الفرد مع الطبيعة والجماعة وانفصاله عنهم يعني موته المعنوي، وهنا يتضح أهمية طقوس التأهيل إذ أنها تقرر حياة الأفراد الاجتماعية فإما الموت الطوعي له أو الولادة الجديدة ضمن جماعته.

فهرس المصادر والمراجع
الحيدري ,إبراهيم.دراسة سوسيولوجية لفنون وصناعات وفولكلور المجتمعات التقليدية ,دار الحوار للنشر والتوزيع , سورية اللاذقية. ط 1 ,1984م .
.محمد, محسن.التقاء الفنون ,عالم الكتب,2003م.
الخطاط.سلمان ,الفن البيئي ,وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة بغداد,1990م ص77.
.»,» History of The Masks http://maskstore.stores.yahoo.net/index.html. 22/7/2006م.
,»African Masks History and Meaning» http://www.rebirth.co.za/african_mask_basic%20forms.htm 22/7/2006م.
Demons and Deities Masks of the Himalayas» Thomas Murray « http://www.asianart.com/articles/murray/22.html , 1/8/2006م.
http://maskstore.stores.yahoo.net/historyofmask.html 25/7/2006م
http://www.dw-world.de/popups/popup_lupe/0,,2074512,00.html 22/7/2006م.
, Allied Arts In Indihttp://www.puppetindia.com/misc.htm ,25/7/2006م.
«Mask-universal Language Of Cultural Aesthetice»
Gautam Chatterjee
11. http://www.ibiblio.org/gautam/heri0015.htm 22/7/2006م
12.عطية, محسن ,»القيم الجمالية في الفنون التشكيلية,دار الفكر العربي ط1 2000م ص28-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق