السياحي

من أوراق مسافر

سعيد بن خلفان النعماني 

ارتفاع المـدائـن الـمحرمة
مهما ترتفعُ بي هذه الآلةُ، بصندوقِها الممتلئِ بالبشرِ، إلى آفاقِ الدُّنْيا البعيدةِ، أظَلُّ قريبًا منِ عالمَكِ، صديقًا إلى كُلِّ النُّجومِ المتدليةِ من حولي، ملتصقا بالسحب البيضاء التي تحنو علي وتلفّني بعناية الرحمن.. إليكِ.
هذه الارتفاعات الشاهقة التي يخاف منها البشر من حولي.. ارتفاعات أعشقها، ليس لأنها تبعدني عنك، ولكنها تزيدني شوقا لاكتشاف عوالمك الطاهرة في كل حين .
هذه المرة اكتب إليكِ بعد أن قفلت راجعا من الصين، ذات السور العظيم الذي بني قبل 2000 عام وطوله يزيد على السبعة آلاف كيلو مترا، استطاع السورُ أن يحمي الصين ويجعلها في أمان، مثلما استطعت بإخلاصك وطهارتك أن تحمي عقودًا من أزمان السالكين في دروبهم المعتمة .
سورك الجميل أشد قوة وأطول تأريخًا وأقوى صمودا من سورهم الجبلي الشاهق، هنالك -من بيننا – بشر يعيشون بلا أسوار ولا إشاراتٍ ضوئيةٍ حمراء تمنعهم من الاصطدام بعجائب الكون وأساسيات الفطرة.
ان سوري العظيم هو أنتِ.. وأن مدينتي المحرمة هي أنتِ.. وأن قَصْري الصيفي وجبلي المعطر وسوق الحرير.. كلها أوصافٌ لا تنطبق على سواك.
إن المدينة المحرمة كانت الى وقت قريب مغلقة على العموم، ولم أذهب لزيارة قصورها الشاسعة ومبانيها الضخمة العظيمة، فلستُ غريبا عنها لأني أسكنها معك منذ آلاف السنوات، نمرح فيها سويا بدون أي حس بشري يغتال براءتنا، نمضي في رياضها الغناء ونشم عبير الرياحين الندية وشذى الورود المبتلة عند أنهارها الدافئة، نكون هناك بلا رقيب ولا حسيب .
هكذا نحن وهذه مدينتنا المحرمة التي جئنا إليها جبرا.. ونعشقها زمنا حتى نوارىَ قهرًا في إحدى جنباتها البعيدة بلا شاهدٍ ولا قبرِ .
رفضت زيارة المدينة المحرمة قصدًا وعمدًا لأنني نظرت في أرجاءِ بكين العامرة، رأيتك في كل مكان حتى في سور الصين.. كنتِ إحدى لبناته القديمة وآثاره التليدة وأبراجه الشاهقة، من أجل ذلك كله لم أستطع الذهاب إلى هناك حتى لا أراكِ موصدة عليكِ الأبواب، فأنا على يقين بأنك الأميرة الجميلة التي تملكين عرش جميع المدائن المحرمة ليس في الصين وحدها ولكن في جميع أرجاء الأرض .
تمرحين في قصورك.. الآلاف من الخدم والحشم والأعيان في خدمتك، يقدمون أرواحهم فداءً لكِ وحبا صادقا من أجل أن يهب الله تعالى الحياة لذاتك المصونة.. أنتِ هناك بين أرجاء تلك القصور.. تتعطر أجواؤها بشذاكِ المنعش، وترتشفُ النحلاتُ الصغيرةُ التي سكنت أرجاء حديقتك من زهورك الندية الرحيق العسلي بنكهات النبيذ المعتق الذي يسكر من في قصورك الزاهية المتلألئة أبراجها على صفحات الأنهار التي تجري وتمضي حيث تكونين .
من أجل ذلك كله لم أذهب إلى ردهات المدينة المحرمة التي تشتهر بها هذه العاصمة الجميلة منذ أزمنتها البعيدة.
##
رحلتي التي انبثقت من بكين العاصمة الصينية التي أعشقها كعشقي لكِ كانت إلى كانتون الميناء البحري الذي انطلقت إليه السفن العمانية قبل ألفي عام من صحار عمان.. رأيت ما رأيت وزرت صديقا يعيش في أجواء عماراتها التي اخترقت السحاب، يسكن في الدور الثلاثين من إحدى تلك العمارات وخرجت في شرفة سكنه الشاهق، ونظرتُ على امتداد بصري إلى الأرض تارة والى العمارات القريبة تارة أخرى، فكانَ المنظر عَجَبًا ودُوَارُ الصُّعُودِ إلىَ المُرْتَفَعَاتِ كادَ أن يسقطني أرضًا لولا أن جلستُ على أريكةٍ دافئة قرب تلك الشرفة لألتقط أنفاسي التي كادت أن تتبخر في أجواءِ كانتون الواسعة وتتحول إلى رذاذ متطايرٍ بين المباني الشاهقة.
في هذه المدينة المزدحمة بآلاف البشر، كل شيء يمضي في نظام تام، تحولت الآلات إلى بشر، والبشر إلى آلات، فعبارة (ني هاو) تنطلق من أفواه الجميلات اللاتي يقمن بالبيع في كل مكان، وكذلك تنطلق هذه العبارة من أجهزة الراديو والتلفزة المثبتة في السيارات والحافلات الكبيرة والقطارات، كلهم يقولون ني هاو، كما القطط الاليفة في هدوءٍ ورِقةٍ لا توصف.. إنهم يرحبون بنا.. عزيزتي، فهذه الني هاو تعني مرحبا أو أهلا وسهلا، وتعلمنا منهم أن نرد بنفس الكلمة، يغلفون عبارة الترحيب بابتسامة جميلة قصيرة، فليس لديهم الوقت كي يضيعوه في السلامات والمجاملات.
في كانتون هنالك نصب تذكاري للسفينة صحار التي عبرت البحار المتلاطمة من مسقط إلى الصين في رحلة الإخاء والمحبة، مستعيدة ذكرى طريق الحرير البحري الذي سلكه العمانيون منذ ألفي سنة كما تؤكد الوثائق التاريخية العمانية والصينية حيث يمثل هذا النصب الثمين العظيم من قبل الصينيين لعمان وتاريخها وعلاقتها الوطيدة مع الصين ومع شعوب العالم التي تحترم بلدنا العريق .
تتجه الطائرةُ وهؤلاء البشر من حولي – إلى أبو ظبي – لنرحل بعدها إلى ديارنا مسقط، ومع أن الرحلة مازالت طويلة والدقائق تمضي بطيئة، هنالك اضطراب في الأجواء من حولنا، بعض الرياح الخفيفة التي تحرك هذه الطائرة بمن فيها، إلا أن أغلب الركاب في سباتٍ عميق، وتتحرك الطائرة بهم في دعةٍ حانية إلى حيث يقصدون، أنظر على مد بصري لأراهم نائمين، ولكني من بينهم لا يراود الإغفاء عيني، لأن مثل هذه الأجواء تنعش الذاكرة وتبدأ التجليات وأغيب في أعماق بعيدة لأستحضرك جسدا وروحا على المقعد الذي بجانبي، ففي هذه الرحلة الكثير من المقاعد الخالية، ولكنني عندما أحدق فيها أراك تجلسين في كل مكان.
وأنا أكتب إليك هذه الرسالة القصيرة اختلس النظر إليك في كل لحظة فأراك تقرئين هذه الأسطر السريعة، وأرى ابتسامة الرضا تملأ محياك المشرق وتقولين أكمل رسالتك، فلن أقرأها كاملة إلا عندما تعيد لي دفتري الذي يظل مختزنا عندك زمنا طويلا خشيت عليه من الفناء وخفت عليه من الفقد مثلما أخاف عليك من النسمة الباردة التي تصافح وجهك في كل آنٍ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق