الفني

جواد الأسدي يتحدث عن العودة والحنين الأبدي وعراق الطائفيات

  • بعد سنوات من المنافي والغربة والترحال، يعود المسرحي العراقي الكبير الدكتور جواد الأسدي إلى حضن العراق الدافيء، يعود إلى أمكنة طفولته التي غرس فيها ذكرياته وترك فيها أحبته ورفاقه والكثير من الفرح والحزن والأحلام. يعود الأسدي مثقلا بالحنين ورائحة الغربة والطرقات والمدن البعيدة. يعود إلى بلاد الرافدين، ليزرع أحلاما جديدة ويصافح نهريها الخالدين ويتجول في شوارع بغداد العتيقة ويشم هواءها المختلف عن هواء غيرها من بلاد الله.    في هذا الحوار يتحدث الأسدي عن سنوات الغياب وصدمته الكبرى بمشهد عراق اليوم وأحلامه لعراق الغد ..
  • بغداد: التكوين

في البدء يتحدث جواد الأسدي بروح العاشق ولغة الفنان عن مشاعر العائد فيقول: العودة للعراق حنين أبدي لبلاد رسخت الكتابة الأولى للطوفان الأول، عودة لمواكب الريح والنار وأنسنة الأبناء المسكونين بالجوع، للاختلاف، عودة للنهر الهادر للدم المسفوك، للسبي، لإعادة النوم على سرير الأم، نخلة العائلة، حديقة البوح، ورود البلاد. كنت كمن يغص بالهواء في البلاد الغريبة بحلم أن شم هواء بلادي  المحمول على الحرية المشتهاة، بلادي التائهة في التيه. كنت أحلم أن أرسخ قدمي في شارع الرشيد وأجلس في مقهى “حسن عجمي” و”البرازيلية” و”البرلمان” مرة أخرى. بعد ثلاثين عاما عدت لنفس المقاهي لنفس الدروب لنفس الهواء، بلا سعادة تذكر ولا كتابة تكتب. لقد أطيح بكل ذلك الجمال الإلهي الذي تحول إلى رماد. المقاهي رماد، الناس المترمدون، أشباح الناس، أشباح الضوء، أشباح البلاد التي من مأتم.

ويواصل جواد الأسدي سرده لتفاصيل العودة: كل الذي تركته نظرا صار ظلالا ممزقة. الشوارع، الحدائق، البيوت، عربات يدفعها رجال متفحمون، نساء ميتات تحت سواد العباءات، وأمل بعيد لعراقيين يعيدون كتابة الحرية. على المسرح فتيان بعطش للنور منذورون لكتابة البلاد كقصيدة حارة على خشبة مسرح تستعيد عروضا وممثلين ونصوصا وجمهورا مختلفا. وجدت في هؤلاء الفتية حلمي القديم وتلك القوة العراقية الفذة في استعادة روح التنوير، يأخذون من قوت عوائلهم ويضعونه في خدمة عروض فتية جديدة تعطي إحساسا أصيلا باستعادة المسرح في الحياة العراقية.

وعن العودة إلى المسرح العراقي يقول الأسدي المحمل بالأحلام الكبيرة: عودتي للمسرح العراقي تصب في هذا النهر الذي نريد له أن يكون هادرا مسرحيا لاستعادة النبض والقيمة الخلاقة التي كان عليها المسرح العراقي في زمن الرواد من أمثال إبراهيم جلال وسامي عبد الحميد وقاسم محمد .. الخ. عدت للعراقي لإحساس عميق بحاجتي الروحية والفكرية للانخراط في نبض الحياة العراقية التي أفتقدتها طويلا. وفعليا بدأت بالتمارين على مسرحية “تقاسيم على الحياة” التي قدمت فيها ممثلين من قماشة جديدة وروح متوثبة بصرية وجمالية مع فنانين عراقيين خلاقين.

ويستطر الأسدي قائلا: أردت لمسرح بابل أن يكون بما يشبه البيت المسرحي الذي يمكن أن يحقق مشاريعي الحرة التي تصطدم مع مسطرة المؤسسة المسرحية في الدولة العربية التي تقوم على تابوات وشروط تعجيزية تصادر حرية الكتابة بدرجة كبيرة. لذلك أردت لبابل أن يكون بابا كبيرا لفن مسرحي اختباري طليعي من حيث طرح الأسئلة المحرمة في المجتمعات المقموعة. من جهة أخرى اصطدمت بغول كبير اسمه التمويل في مجتمع يقوم على المحسوبية الطائفية بشكل مقيت، لذلك لم يصمد مسرح بابل على العيش في مناخات ملتبسة وصادمة من ناحية تقويض الحلم المسرحي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحوار كاملا في عدد شهر يناير الجاري من “التكوين” الورقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق