العام

الزهايمر … كي لا ننسى من ينسى

  • في صيف عام ٢٠١٠ عدت إلى أرض الوطن بعد أن أكملت دراستي التخصصية  في العاصمة البريطانية لندن . أعوام قضيتها في دراسة طب نفسي المسنين شملت تشخيص وعلاج مرضى الزهايمر وأمراض الخرف الأخرى.  كنت أحيانا أقوم بزيارة المرضى في منازلهم أو في دور رعاية المسنين، أتحدث مع المرضى وأفراد أسرهم، لتقديم الدعم النفسي، والعلاج الدوائي في بعض الأحيان.  كانت تجربة مميزة تعلمت منها الكثير، عدت بعدها إلى أرض الوطن وكلي حماس في تكوين فريق لتشخيص ورعاية مرضى الزهايمر في السلطنة.
  •   د. حمد بن ناصر السناوي، استشاري أول الطب السلوكي

لم أكن أعلم أن القدر يخبّيء لي مفاجأة اتضحت من الدقائق الأولى لوصولي إلى منزل الوالد، رحمة الله عليه، حين اكتشفت أن الوالد يعاني من مرض الزهايمر،  فقد كانت الأعراض واضحة، وعرفت حينها لماذا كانت عباراته قصيرة عندما كنت أتصل به من لندن، ولماذا كانت تصر الوالدة بأنه متعب أو لديه ضيوف واكتفت بطمأنتي عليه. حتى تدهورت حالة الوالد الصحية بشكل سريع مع رفضه الذهاب إلى المستشفى وامتناعه عن تناول أدوية الضغط، وبعدها بأيام امتنع عن الأكل والشرب، إلى أن أصابه الإغماء.

هرعنا به إلى المستشفى، أجروا بعض الفحوصات وعلقوا له محاليل التغذية، وتحسنت حالته نوعا ما واستعاد وعيه. بعد يومين قالوا أنه كبير في السن ولا يوجد علاج لحالته، عدنا به إلى المنزل، فانتكست حالته مرة أخرى، ورفض الطعام والشراب حتى أصابه الجفاف، ودخل المستشفى عدة أيام، وخرج منه وهو طريح الفراش، قليل الكلام، فقد تمكن الزهايمر منه وسلبه كل الذكريات.

أخبرنا الطبيب أن الوالد يحتاج إلى عملية لإدخال أنبوب تغذية إلى معدته مباشرة، واستمر على هذا الحال لمدة ٨ سنوات عجاف إلى أن وافته المنية.

مرض الزهايمر وأمراض الخرف الأخرى عادة ما تصيب الأفراد بعد سن الستين، إلا أن بعض الحالات تظهر الأعراض في سن الأربعين، مما يسبب تحديا كبيرا للمريض ولأسرته، بدءا من التعرف على الأعراض واستشارة الطبيب المختص، إلى التعامل مع المريض خاصة وأن معظم المرضى لا يزالون على رأس الوظيفة في تلك الفترة وقد تؤثر الأعراض على اتخاذهم القرارات والتعامل مع من حولهم  مما يضطرهم إلى ترك عملهم، وتظهر عليهم أعراض سلوكية تسبب الإحراج والحيرة لأفراد الأسرة .

فالبعض يصبح عنيفا، ويصر على مغادرة المنزل في أوقات غير مناسبة، ويعجز عن العودة لأنه ينسى الطريق إلى المنزل. والبعض الآخر لا يستطيع التعرف على أفراد أسرته وقد يطردهم من البيت إذ يحسبهم غرباء يضمرون له الشر.

يؤثر مرض الزهايمر على الدماغ، ويؤدي إلى فقدان المريض القدرة على القيام  بأبسط الأمور مثل الاهتمام  بالنظافة  الشخصية وإعداد الطعام وغيرهما.

وقد شهدت السنوات الماضية زيادة ملحوظة في عدد المصابين بالزهايمر، حيث تقدر  الجمعية العالمية للزهايمر أن شخصا ما في العالم يصاب بالزهايمر كل ٣٠ ثانية، وأن عدد مرضى الزهايمر في جميع دول العالم عام  2018 وصل إلى حوالي  50 مليون شخص، ومن المتوقع  أن يتضاعف هذا العدد  تقريبا كل 20 عاما، ليصل  إلى 75 مليون في عام 2030، وتقدر كلفة رعاية مرضى الزهايمر حوالي تريليون دولار أمريكي تقريبا.

تعددت النظريات العلمية التى تفسر إصابة الأشخاص بمرض الزهايمر إلا أن أكثر النظريات قبولا تلك التى تفسر تراكم بعض الجسيمات فى مناطق معينة من الدماغ، لتقوم بمهاجمة الخلايا العصبية المختلفة ومنعها من أداء وظائفها

يبدأ الهجوم على المنطقة المسؤولة عن تشكيل الذكريات فينسى المريض أين وضع أغراضه ومواعيده المهمة، وينسى دفع الفواتير المختلفة، ومع مرور الوقت تتأثر الذكريات القديمة فينسى أسماء زوجته وأبنائه، وقد ينسى أن والديه قد فارقا الحياة فيصر على زيارتهم في المنزل القديم الذي لم يعد موجودا، بعد ذلك ينتشر التلف ليشمل خلايا الدماغ المسؤولة عن مهارات اللغة، فيجد الفرد صعوبة في الحديث وتسمية الأشياء بأسمائها.

ومع مرور الوقت تظهر على المريض اضطرابات سلوكية مثل القلق والتوتر الشديد والأرق، مما يسبب ضغوطات على مقدم الرعاية، وفي بعض الأحيان قد لا يتعرف المريض على زوجته التي ترعاه منذ فترة، وقد يعتدي عليها لفظيا أو جسديا.

يعتبر النسيان من أهم أعراض الزهايمر، ورغم أن القليل من النسيان قد يعتبر أمرا طبيعيا مع التقدم في العمر إلا أن مرضى الزهايمر يكون النسيان لديهم شديدا والذي بدوره يؤثر على قدرة الشخص على القيام بالمهام اليومية، يعاني فيه أهل المريض وخصوصا مقدمو الرعاية من صعوبة في فهم المريض والتواصل معه. البعض قد يصاب بالاكتئاب والقلق بسبب الرعاية المتواصلة للمريض. أحدهم وصف تجربته بـ «رعاية طفل كبير»، غير أن الطفل ينمو ويعتمد على نفسه، بينما مريض الزهايمر يحتاج إلى رعاية أكبر مع مرور الوقت حين يعجز عن إطعام نفسه، أو تغيير ملابسه.

بعض مقدمي الرعاية ترهقه الأعراض السلوكية التي يمر بها مريض الزهايمر بسبب هذا المرض، مثل العنف والشتائم. أحدهم يقول: «تحول والدي إلى شخص بغيض، يشتم جميع من حوله دون مراعاة لوجود الأطفال». بينما يعاني آخرون من قيام المريض بالتجول خارج المنزل ومن ثم ينسى طريق العودة فيجول هائما في الطرقات إلى أن يتعرف إليه شخص ما فيعيده إلى منزله.

ومريض آخر اختل لديه نظام النوم، فصار ينام في النهار ويبقى مستيقظا طوال الليل، يطرق أبواب المنزل، ينادي والدته التى توفيت منذ أعوام، فيطير النوم من باقي أفراد الأسرة.

كيف تقي نفسك من الزهايمر؟

إذ كان المريض مصابا بمرض عضوي مثل السكري وارتفاع ضغط الدم يجب أن ينتظم في تناول دوائه بشكل صحيح، كما أن الدراسات أثبتت أن النشاط الذهني مثل القراءة والكتابة والكلمات المتقاطعة يساهم في الوقاية من الزهايمر، حيث أظهرت الأبحاث العلمية أن  العاملين في الوظائف التي تحتاج إلى مجهود دماغي  مثل الأطباء والمهندسين والمحامين والصحفيين تتأخر إصابتهم بمرض الزهايمر لأنهم يستخدمون أدمغتهم أكثر من أصحاب الأعمال اليدوية.

كما أن ممارسة الرياضة  بشكل منتظم مثل المشي يوميًا لا تقل عن  نصف ساعة مهم جدًا للوقاية من المرض، بالإضافة إلى تناول الطعام الصحي الذي يحتوي على الأطعمة الخالية من الكوليسترول والتي تحتوي على زيت الزيتون.

أدام الله علينا وعليكم الصحة والسعادة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق