مقالات

الحال.. عبر «الحالة»

منى المعولي

في اعدادات هاتفي الجوال أشغل مفاتيح ظهوري للعالم، أجعل تاريخ حضوري مرئيا، أتعمد بروز تفاصيل الوقت، لعل روحا ما ترصد تذبذبي، تلاحظ أرقي، تمتص قلقي..
أثبت حالات وجودي، صورتي الشخصية يقلبها مزاجي، تارة مروج خضراء ولحظات تختطفها السريالية، قد تتصدرها صورة لوحة الصرخة أو أفتش عن أذن فان جوخ المقطوعة وتراجيديا الفلاحين في رسمه، أو لعلي أبروز عباد الشمس، لايهم على كل حال ففي كل الأحوال أنا أضع رسما يشبه اصفرار استقراري..
أعود بضرب لوحة المفاتيح وأطبع أخبار الحالة، نص من قصيدة مبتورة أو حكمة موجعة أو أحرف وكلمات لقنتها لي لحظاتي، أدعس على زر الحالة تتقاطر حسب الأهواء حالاتي..
أضرب بعاطفتي شطر الموقف وأبحث برسائل ملغزة، من أغنية مقصودة تحمل كلماتها اشارة ما وهدفًا أريد أن أسدده في مرمى القصد، نادرا ما أفتش عن قصص الآخرين، فأنا لا تجذبني تلك العادات السخيفة لصور أطباق الطعام ولايسيل لعابي لتتبع يوميات أحد، ربما لأني أعيش ازدحامات تكفي لجعل خرائط رأسي تتضارب، ولجعل افكاري عائمة لاترسو على شيء..
أعاني من عدم مقدرتي على تأجيل الأشياء وتكديسها.. وأريد أن أنجز كل شيء في آن واحد لأجدني في النهاية في مهب الانشغال والتوتر والتبعثر، إن تنظيم الوقت كذبة اخترعها بعضهم وصدقها الكل، في خضم انشغالك بالمهم يعثرك الأهم فتترك الأول  وتتفرغ للثاني فتصادف ما يعرقلك مرارا وتتوالى عليك الأهم الأهم إلى ما لا راحة حتى تعود لتنتقم من فراغك ..
من مسامات تنفسك، فلا تجد متنفسا إلا نقالك تطبع عليه استياءاتك وتبرمجه لنفسياتك وتلونك واستيعابك..
حين تحتاج إلى خصوصيتك تخفي وقت ظهورك وتطل خلسة، أو قد تدعي عدم استلامك رسائل البعض، ولكني أتوجس كثيرا من أولئك الذين لا يوثقون استلامهم للرسائل باشارة صح زرقاء، أولئك الذين تتضاعف علامة الاستلام معهم وتبقى صحيحة باهتة، أشعر أنهم مشروع تطنيش وتجاهل قادم، وإن كانت علاقتك بهم حديثة فاحذر أن تتجاوز معهم الخطوط الرمادية ولا تتأمل منهم أكثر من أن يكونوا من عابري مزاج ولحظات.
أعلم أني أطلق احكاما هوائية وعائمة وأنا التي مرارًا توجهت لتفعيل إعدادات الحظر والحذف، وأنا التي كثيرا ما تزعجني الرسائل الجماعية السمجة تلك التي نسي اصحابها أساسا من أكون، فقد يكون كل تاريخي لديهم رقم محشورًا ضمن قوائم إعلاناتهم أو ضمن الذين يواظبون أن تشملهم تحايا الصباح والسهرة ومنتصف النهار!، أو ربما ممن يملأون عليها تبريكات وقدسية الجمعة بقصد العادة والمعتقد ولا يربو الأمر من أن يكون تقليدًا «واتسابيا» كتلك التقاليد الواقعية التي هرمنا هربا منها ولحقت بنا في الافتراض  قد تتقاذف عليك وسائط الساعة، صور وفيديوهات شتى ومشتتة، تفتح ملفات  استوديوهاتك قد تفاجئ بصور لم تنتبه لها ومقاطع لم تتيقن من باعثها.
المجموعات الافتراضية محمومة بالسبق محفوفة بالتسابق، تعود لتعطل كل شيء كان تلقائيا، تعود لتنظف ذاكرة الوقت، قد توقف المزامنة أو تطلقها حسب احتياجاتك، وقد تفعل النسخ الاحتياطة للزمن، وقد ترى أن لاشيء مهما لتحتفظ به، فتعود بعد كل ذلك لتبحث عن امر مهم مر بك أو تستعيد محادثة لإثبات خطأ ما، تفقد دليلك مع بياناتك …

اخيرا يا لهذا العالم العابث، يدور الزمن حول رأسه، وسيزيف يدفع بصخر العالم فتعود لتتدخرج نحو القاع بتكرار.. بتكرار، ولا جدوى ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق