الثقافي

شيخة المنذرية: النَّاقد مطالب بالبحث عن مكامن الإِبداع

الدكتورة شيخة بنت عبدالله المنذرية من الأكاديميين العمانيين الفاعلين في المشهد الثقافي المحلي، وقد برز اسمها من خلال مشاركاتها النوعية في الملتقيات والندوات والمؤتمرات العلمية، إلى جانب كتاباتها النقدية حول الكثير من التجارب العربية والعمانية.

تحمل المنذرية شهادة الدكتوراه في الأدب والنقد الحديث، وصدر لها عدة كتاب منها هما: (الاغتراب والتشظي في شعرية الخطاب النصي البياتي)، و(شعر أبي مسلم البهلاني بين التصوف والسلوك)، و(مرحبا) وهو كتاب من مشترك من جزأين لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. في هذا الحوار نقترب من الدكتورة شيخة المنذرية، ونفتح معها العديد من أسئلة النقد والثقافة.

شيخة المنذرية

مع تحول الأهداف وتعدد الغايات في الكتابة .. كيف يرى الناقد الآن سؤال الوظيفة النقدية أو مهمة النقد الأصيلة؟

** تعد علاقة النقد بالكتابة علاقة المطوِر الإِيجَابِي ودور الناقد كذلك، ومع ارتقاء المنهج النقدي وَالأدوات النَّقدِيةِ يجدُ الأُفق الإِنتَاجِي الكِتابي حافزًا للتطوير والتَّعديل والتَّعليل والتَّحليل، فمهمة النَّاقد هي تفتيح الآفق للارتقاء من أجل الإسهام في خلق نتاج أدبي له وزنه وثقله، وبمعنى آخر النَّاقد مطالب بالبحث عن مكامن الإِبداع في النتاج حتَّى يخلق بذلك إبداعًا يوازي إبداع الكاتب.

 

كثير ما ترتبط مقاربة العمل النقدي بالقراءة الذوقية للعمل الأدبي .. كيف يحدد الناقد هذه المسافة بين الذائقة الفردية والمهمة النقدية؟

** إن المنهجيَّة النَّقدية التِي يتبعها الناقد هي التي تضبط هذه المساحة بين الذَّائقة الفردية والأبعاد النقدية الإجرائية، ولا نستطيع القول أن الممارسات النقدية صارمة في موضوعيتِها، لأنَّ النَّقد في حد ذاته ذائقة إبداعية ولكنها تحكم بضوابط الأدوات والمنهج حتى تكتسب ثوبها الموضوعي النقدي، وهنا يظهر الإِبداع في قدرة الناقد عَلَى تحقيق التوازن بين الذات والموضوعية، فيجد في النقد لذة القراءة النصية الموضوعية التحليلة، التي تبني للنتاج بعدًا يفتح مكامن الإِبداع، ويظهر جمالية الطاقة النصية من خلال المقرؤية النقدية.

 

في الممارسة النقدية هناك ما يسمى بالثلاثية: العمل الأدبي والكاتب والمتلقي .. ما الذي تضعينه في الاعتبار أثناء مقاربتك التأويلية للنص؟

** إن حلقة المقاربة بين النتاج الإبداعي والفاعلية القرائية النصية تقوم بالربط بين إبداعية الخطاب وفنيتهالتي تحتاج إلى فهم واع، وقدرات تحليلة إجرائية جريئة، لتظهر مكمن الإبداع، ويتداخل الإبداع مع كل الظروف والعوامل المحيطة المؤثرة، مما يقوم تحليل الخطاب الإنتاجي الإبداعي بالكشف عن الجمال التصوري الفني وفق رؤيا النص بتداخل العناصر التصورية والفنية في تكامل حركتها لتكوين الخطاب النصي، وهذا التداخل يحتاج لشحذ جهد الكاتب يقابله جهد تحليلي إجرائي من القارئ لإبراز الإبداع في عملية تواصلية ثلاثية الأبعاد بين الكاتب والنص والقارئ.

إن الجهد في تحليل الخطابي الشعري جهداً ذاتيا، وهو الذي يظهر نجاح البعد والعمق التحليلي للقارئ في فهم وتحليل النصوص الشعرية، في مساحة الكشف والتداخل والامتزاج، وبتحقق الامتزاج من وجهة نظري يتحقق نجاح دراسة الخطاب الشعري دراسة تحليلية فنية ،وبامتزاج ذات القارئ مع روح النص يتحقق كشف الإبداع النصي، ويتفجر النص بعمق وقوة متدفقة أقوى من تفجره الأول، فتفجره الأول من ذات كاتبه، أما تفجره الثاني بامتزاج النص بذات القارئ، ليكون الخطاب الشعري رؤيا وقراءة جميلة جديدة للنصوص الشعرية، بتفاعلية ودينامكية إبداعية.

 

تعدد المناهج والنظريات النقدية الآن “المستوردة”. ما الذي يعيق إيجاد نظريات نقدية وجمالية عربية؟

** لابد أن نكون أكثر دقة في التحديد الاصطلاحي هل النظريات والمناهج الأدبية تعد كلها مستوردة الأصول، إن كان الأمر كذلك فماذا يمثل لنا جهود كبار علمائنا في النقد كابن رشيق والجرجاني والزمخشري وغيرهم، لا ننكر المنهج الغربي النقدي وأصوله ولكن لنا من النظريات العربية الجذور، وعلى سبيل المثل ما ورد عند الجرجاني في أسرار البلاغةأن التأويل يقوم على مراتب (المتداخل، والبيني، والاستنباطي)، وركز على أن سلطة التأويل مارست إعادة تشكيل اللغة الشعرية من تداعيات المشهد النصي الفكري المضمن في النظام اللساني النصي، إن هذه البذور تطورت وتبلورت عند الغرب بأساس الفكرة ذاتها لتظهر في نظرياتهم عند (إيكو، لويجيباريون، وأبحاث الشكلانيين الروس، وجاكبسون).

ولنأخذ مثلا آخر ظهور بعض القضايا النقدية كالتناص، نلحظ أن التناص وجد منذ القدم عند النقاد العرب بإشارات مختلفة في النقد القديم ثم طور المحدثون الفكرة، وعلى سبيل المثال: في كتاب تلخيص المفتاح (للخطيب القزويني)، وقد أشار إلى فكرة التضمين، والاقتباس، والعقد والحل والتلميح، والعمدة لابن رشيق باب السرقات، ابن خلدون في صناعة الشعر وتعلمه، وأبو هلال العسكري في الصناعتين في الفصل الأول من الباب السادس في حسن الأخذ ووقع الحافر على الحافر، وعبدالقاهر الجرجاني (في أسرار البلاغة) باستدلاله على وجه الاتفاق في الغرض على العموم والاتفاق في وجه الدلالة والغرض، والآمدي في الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري . ويظهر ذكاء القارئ المحلل في منهجية التوظيف، بحيث لا يلوي عنق النص في الاطار المنهجي النقدي، وأن تكون القراءة التحليلية إبراز للجمالية النصية بما يتوافق مع طبيعة النص لا بفرضية النظريات والمناهج .

 

قمت بالكتابة عن بعض التجارب الشعرية والأدبية العمانية والعربية .. كيف تختارين هذه التجارب، وما هي معاييرك في اختيارها للنقد دون سواها؟

** يشدني في النتاجات الأدبية عمقها الذي اكشف عنه من خلال تقصي منطقة المتعة والتنوع، بتحليل التشكيل الداخلنصي في انفتاحه على الخارج في تشكيلة الخطاب الشعري، من الاقتران والتداخل بتتبع تواصلية التجدد والتطوير الإبداعي، في شكل تتابعية متداخلة تحتاج إلى فهم وقراءة واعية، للكشف عن فضائها التشكيلي. وينفتح تحليلي في تداخلية العمق النصي من المكونات النصية، الممتدة من فضاء الجانب اللغوي، وربطه بوحداته الصوتية، والصرفية، والمعجمية، وما بينها من تراتيب وعلاقات تركيبية، وتأويلها واستنطافها وصولا إلى النواة المعنوية، لأن هذه النواة تتقلب في صورة مختلفة بواسطة اللغة، لتتوسع علائقية النتاج الشعري، في شكل تسلسلي تتابعي، أشار إليه (صلاح فضل) بالعلاقات النصية من التحولات اللغوية في الخطاب التي تتصل بجوهر المادة، وعلاقاتها، أي بالعمليات الجوهرية في النتاج الشعري، والتي تبرز آليات التركيب، والعمليات العلائقية النصية المتداخلة، وعلى هذه العناصر والمقومات اختار النتاجات التي أدرسها، فالنقد الأدبي أسعى إلى إيجاده من العلائق الرابطة بينه وبين كل من الجمالية والالتزام، وهو مجموع الأدوات والمناهج والرؤى التي أنهجها أثناء تعاملي مع النص الأدبي، بالتركيز على عنصرين متوازيين: نظري وتطبيقيإجرائي.

 

من خلال اطلاعك على النص الشعري العماني، هل ترين أنه تمكن من تأسيس هوية خاصة به، أم أنه نص إبداعي عام؟

** بكل تأكيد الشعر العماني القديم والحديث خاصة يقوم على قاعدة ومقومات قوية منمكونات الخطاب الشعري، وخصائصه، حيث تميز بالتنوع في وصف واقع الشعرية انطلاقا من الجمالية النصية للنتاج الشعري، مما اكسبه إبداعا تصوريا بنائيا، باشتغال المساحة النصية على شكل وحدات تكميلية، تشبع رغبة التصوير الشعرية من شحن الصورة المحورية، في تشكيلات تفاوتية للنتاج الشعري العماني من حيث خصائصه طبقا لطبيعته الفنية، للوصول إلى بؤرة الإبداع النصي، والتي استطعت من خلال دراستي لنتاجات بعضهم كنتاج: هلال الحجري، وخالد المعمري، وفاطمة الشيدي، وهلال السيابي وغيرهم، بتقصي الإبداع النصي، وفق تحليل إجرائي دقيق، يظهر مكامنها، ويسهم في الوصول إلى أرقى مستويات الإبداع الشعري فيها.

 

 

ملاحظة: الحوار كاملا في عدد نوفمبر 2017م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق