إصدارات بيت الغشام

من… أصـوات البحـر

سعود البلوشي

أصوات البحر

 حينما تبدأ الشمس مسيرة أفولها الباردة، وتبدأ ظلال الأشياء في الاتساع والدكنة، أنتظر حفيدي «علي» الذي يأتي كل عصر إلى غرفتي الضيقة المظلمة، يمسك بيدي بغتة ويجرني خلفه، أتبعه محني الظهر إلى نهاية الممر الذي يوصل بالمخرج الرئيس للبيت، حينها تعتدل قامتي ويكون قد أخرجني من البيت، يمشي بي قليلا ويسلمني للزاوية الغربية من الجدار المتداعي. تتملص يده الصغيرة من يدي التي تمسك بها بشدة. يسحب يده فأتشبث بها، لكن اليد الصغيرة الطرية تفلت وتبقى يدي الكبيرة اليابسة ممدودة في الفراغ تمسك الهواء الذي خلفته يد علي .أقف معتدلا وأسمع صوته يبتعد وهو ينادي رفاقه للعب في الحارة. وأبحث عن الجدار فتصطدم به يدي. أتبعه إلى الزاوية الشرقية ثم أنحرف جنوبا، وأمشي إلى أن أصطدم بجذع النخلة المنحنية، حيث بقعة الظل الضيقة، والباردة قليلا، أبحث بعصاي ورجلي عن مكان فارغ وأكثر برودة، أقعد بجوار شاة سبقتني إلى المكان، أهشها فتبتعد، لكنها سرعان ما تعود لتشاركني ما تبقى من ظله. يزعجني قربها مني، فهي تحك ظهرها بالجدار تارة، وتنطح النخلة المتداعية تارة أخرى أو تتبول بالقرب مني وتربض فوقه ووبرها المليء بالقمل يلامسني، أحاول إبعادها مرة ثانية، بيد أنها تثغو بحدة في وجهي، وتهاجمني صغارها بقرونها النابتة الصغيرة، فأربت على جبهتها كي تكف عني.

 شيئا فشيئا تتقدم الشمس نحو المغيب، تتطاول ظلال الأشياء وتسري البرودة في جسدي، ويبدأ النوم يدغدغ يقظتي وإحساسي بالمكان، فتنبعث همسات الحارة كالموسيقى متصاعدة من البيوت، تداعب جفني الحالمين، فترتعش حواسي منصتة لأدنى صوت قادم من أقصى بيت: بكاء الأطفال، تأفف الزوجات، شتائم الآباء، والهمسات المتضاحكة للعشاق التي تأتي من الظلال المجاورة، وأصوات التلفزيونات، والإذاعات الموشوشة البعيدة. 

 هكذا أبقى طوال العصر هاربا من النوم، أمارس حقي في الاستماع إلى تلك الأصوات التي تشيع حالة تشارك فيها جدران البيوت وصرير أبوابها، ظلال الأشياء المتداعية، حفيف أشجار البيذام والشريش، لفحات الهواء القادمة عبر الكثبان الرملية الصغيرة التي تحمي الحارة من هجمات البحر الموسمية، اللقاءات السرية بين العشاق الصغار التي تتم في ظلال غرف البيوت الخربة، أزيز المكيفات، وأصوات البحر البعيدة الناهمة.

 أقعد منصتا لكل تلك الأصوات المشغولة عني، وأذهب بعيدا، بعيدا أتخيل ما يحدث هناك، مولعا بأصوات النساء الآتية كهمسات سكرى بنشوة المداعبة. تتراقص أمام عيني المغمضتين، تحلق بي عاليا، تعانق فحولة النهار الهاربة، ثم تحط على فخذي الممدودتين، تمرر نغماتها على صدري وتعانق الشيب الذي يكسو تفاصيل وجهي. فتسري فيّ رعشة نشوى لا يقوى جسدي الهرم على ترجمتها. تفر الهمسات الأنثى. تحلق بعيدا. بعيدا تعانق أشعة المساء الأرجواني القادم، ثم تتوافد النساء من جهات الحارة المختلفة يطفن بي، يسلم بعضهن علي باحترام، وبعضهن يقترب مني ويدغدغ كرشي المتكورة أمامي، فيضحكنني، أو ألوح لهن بعصاي، فيبتعدن متضاحكات ويسألنني من بعيد :

* كم شاة حولك باه سالم؟ إذا عرفت سنأتي نهشها عنك، ونقعد جوارك.

 وإذا لم أعرف ؟

* سنتركها تبول عليك .. ههههه .. ههههه.

وقبل أن أحسب عدد الشياه، يكن قد ابتعدن، فأنادي عليهن، لكنهن بعيدات بعيدات جدا. ترى أين ذهبن؟ فتخرج الياء طويلة وعميقة مشحونة بحسرة كل الذي لم أستطع فعله عندما كان الجسد قويا، وأقول لنفسي: آه كم النساء جميلات ! كم هن جميلات في البعد ! أتساءل ما الذي يخرجهن الآن؟ ما يزال الوقت باكرا على خروج أزواجهن كالديكة يثيرون الجلبة بدشاديشهم الفضفاضة ووزرتهم الملونة وهم يتوافدون كالنساء أيضا من كل صوب، وعند زاوية الجدار يلقون التحية على بعضهم، ويتجهون شرقا نحو المسجد دونما التفاتة منهم إليّ.

 في هذا القيض الجائر، أجلس القرفصاء تحت الجدار محتميا بظلته أنتظر جود البحر وظلال الأشجار بنسمة هواء باردة أو خانقة مشبعة بالرطوبة، بينما يستلقون هم تحت أسقف جبسية، فوق أسرّة هزازة تحيط بهم جدران مزركشة وتنفحهم نسمة مكيف الهواء. هكذا أنا الآن لا يمكنني فعل شيء سوى الإنصات. الإنصات إلى الناس والأغنام وأصوات القيلولة الأخرى. إلى حياة الحارة في هذه الفترة من النهار، ومن بعيد أسمع نداء البحر وأصواته الناهمة تدعوني لكي أغتسل في مياهه، وأتطهر من عمر لا يستحق التوقف عنده، من ذيل السنوات الطويل الذي يمتد خلفي كالدخان. من استدعاءات وولادات عقيمة لذاكرة باهتة. من صور شاحبة لأشخاص لا أهمية لهم، ومشاهد جافة لا معنى لها، أتطهر من خيط السنوات الطويل الذي تسرب من يدي خفية دون أن أنتبه إليه، الآن والبحر فاتح ذراعيه، وهمساته اللحوحة تستحثني منادية: اترك هذا الجدار المتداعي، اترك تلك الأغنام التي تشاركك ظلتك المتسعة والمزدادة برودة كلما تقدم المساء، اهرب من ذلك الطفل الذي سيمسك يدك بغتة ويجرك خلفه ليدخلك غرفتك التي تضيق كلما حل الليل. أغلق أذنيك عن سؤاله الجاف والمتكرر دوما:

* لماذا ظلتك أطول منك يا جدي ؟

 هل ستظل تقول له: 

لأن الشمس تغرب يا بني، لأن الشمس تغرب.

أم ستقول له في المرة القادمة لأنك أصبحت ظلا .. ظلا فقط لإنسان كان هنا يوما.أم ستترك كل ذلك وتأتي إلى ملوحتي النابضة بالحياة، ومياهي الشفافة الدافئة الكفيلة بطرد شيطان الشيخوخة عنك، هل ستأتي إلى أصلك الذي منه ولدت؟ أم ستبقى بين جدران تلك الغرفة المظلمة، وذلك الجدار المتداعي إلى أن يكبر كل أطفال الحارة ولن تجد من سينقلك بينهما؟ هل ستأتي؟ هل ستأتي ؟

 أصوات البحر اللحوحة تزداد علوا، تأتيني من كل اتجاه، وكأن البحر قد طوق الحارة وسرت مياهه الشفافة الدافئة المليئة بالحياة في أزقتها وأحواش البيوت، واختلطت بطين الجدران، ها هي تسبح فوق جسمي، تلأم جروحه، وتنشط خلاياه، وتصبغ الشيب الذي يتوجني بلون أسود، أسود فاحم كمداد الحبار، فأنهض دونما عصا أتوكأ عليها وأمشي بعيدا. بعيدا عن الجدار، أتجاوز كثبان الرمال الصغيرة، وأصل البحر أسبح في مياهه الشفافة الدافئة المليئة بالحياة، حولي سبع من حوريات البحر… الأولى تلف خصري بإزار من حرير، والثانية تلبسني الدشداشة المدهونة بالورس، والثالثة تتوج رأسي بالعمامة الكشميرية، والرابعة تطوق خصري بالخنجر المشغولة بالذهب والفضة، والخامسة تضع السباعية على كتفي، والسادسة ترشني بالعطر وتضع مبخرة العود بين رجلي، والسابعة تلبسني حذائي الذي تفوح منه رائحة الصندل.

 أجلسنني بمواجهة البحر، على كرسي مغطى بشال أخضر، حيث بدأ موكب عرسي الأبدي، الذي صفقت فيه النوارس بأجنحتها المحناة، وتقافزت فيه الدلافين، وتمايلت الصيرة طربا على أنغام الحوريات، بدأ الموكب من الصيرة واتجه شرقا ناحية اللجة الزرقاء الداكنة للبحر الذي لا تزال أصواته تناديني…

قريات – 1997م

من إصداره 

(أصوات البحر) 

الصادر عن مؤسسة بيت الغشام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق