مقالات

دوران.. في فراغ الأشياء

منى المعولي

أدور حول الأرض والأرض تتجول في رأسي، أبحث عن مساحة فارغة، أبحث عن مسافات بعيدة وعن شوارع غير مكتظة، عن قلوب لم تتكلس، ونوايا لم تتلوث، وأسنان بيضاء في الظاهر والقالب..
أبحث عن اصوات نقية لم تدخل فيها تحسينات الخبث، ولم تتعلم تزييف الحقائق، وضمائر لا تصبغ الواقع بالألوان لتزوره أو تخدر بالألوان قبحه..
أقتحم مسامات الفراغ وأرسم في المساحة الخالية بالطباشير دائرتي، أرسم لي حدودا تخصني وحدي وأصنع بيني وبين العالم مسافة، أرسم بابا مغلقاً وأنسى أن أرسم مفتاحه، وأرسم نافذة عالية لتطل منها الشمس وأراقب من مربعها الكون من بعيد لوحدي..
أدخل يدي الفارغة في جيبي، فجيوبي مثقلة بحجارة لن تغرقني في النهر يوما كما فعلتها فيرجينيا وولف، مثقلة بالنوستولوجيا، بنبش قبور الحزن، بِحَفر شجن الماضي، بالتمسك بتلابيب الزمن، بالموت الصامت، بالتفتيش بين أدراج الذاكرة عن ورق عشق تأكسد.
هكذا هم الموسومون برعب الخلو من الهم، الذين يخشون الفرح ويقلقون من السعادة مثلي، تجدهم يتركون الصخب ويتوجسون الامتلاء ويذوبون طراً للانزواء، يفتشون عن أغنية تضمخهم بطين الوجع يستمعون إليها مكرراً مع سبق البكاء والترصد، يقرأون الكتب بنهم خصوصاً تلك التي تتحدث عن الفراق والترك والخيانة لأنهم يبحثون عن نص يشبه الجرح، عن القضية المسجلة حكماً ضد مجهول عن غريب لن يلتقوه .
فمن نحن؟
من نكون؟
نحن ربابنة الألم نرسم أحلامنا بأيدينا وابتسامتنا يسطو عليها غبار الطباشير..
نحن المغرمون بالأماكن، تلك الأماكن التي ليست سوى بشر على هيئة مكان نحن الذين لا نكتب حروفنا ما لم ينزف الجرح، نحن الذين كثيرا ما نردد بعد كل خيبة في شخص ما، سأكون في المرات القادمة على حذر، هكذا أرى أوجاعنا هي إكسير بقائنا فمن لم يغرق بدم الحياة لايحق له أن يقول شيئاً، والزمن أيضا له نصيب من الحنين فالزمن يسكننا، يعيش بدواخلنا، ننجرف وراء اللحظة نبحث في بؤوس عن كراء يناسب أمزجتنا عن خريف يُسقط أوراق تشبثنا عن طحالب العتمة بجذور الألم، عن مياه عكرة نرمي إليها مراسينا، عن اللانجاة، عن احتساء مخمور ينسينا حقيقتنا، ينسينا الحواجز المنصوبة أمامنا لتكبيل إرادتنا، عن ذباب يلعق نزيف خيبتنا، عن مرقع ماهر يخيط شرخ كرامتنا، عن لحظات الإمتلاء بزحام فراغاتنا.
نعيش معاناة اللاتواصل مع أحد, في مكان مكتظ بالعابرين، نشعر بالتفاهة تبلل كل شيء، بتمزق وانهدام من الداخل، بواقع يزج بنا إلى المجهول إلى التمرد، إلى العبث، ننسلخ من كل العصور ونتقوقع في أنفسنا في تلك الدائرة الوهمية المغلقة.. والشرفة المحدودة التي تسرق ضوء الشمس لتجففنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق