الثقافي

رحالة زاروا عمان (٥) ويلفريد ثيسجر

د. علي عفيفي علي غازي

صحفي وأكاديمي مصري

تُعدّ كتابات الرحالة وثيقة تاريخية ثمينة مدونة عن ماضي الشرق عامة، والجزيرة العربية والخليج خاصة، ومرجعًا فريدًا في الجغرافيا الطبيعية والبشرية والتاريخية لمناطق ظلت مجهولة لقرون، وشهادة مهمة ذات قيمة علمية كبيرة عن الأوضاع السائدة فيها آنذاك؛ فالرحالة يؤرخون للحالة الآنية، ويُسجلون الأوضاع المعاشة، فتأتي الكلمة عفوًا، ويقدمون وصفًا شاملًا للقرى والشعوب والقبائل، وأحوالهم وأوضاعهم وتاريخهم، وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم، وكتاباتهم بذلك سجلًا حافلًا بالمشاهدات والمعاينات عن تراث وتاريخ وجغرافية ومجتمع المنطقة؛ نظرًا لغزارة المعلومات التي جمعها مؤلفوها ونشروها في مقالات أو مجلدات كي تًصبح في متناول أبناء وطنهم ومفكريه، ولما كان هؤلاء هم رواد أهليهم، وقد قيل إن الرائد لا يكذب أهله، فإن هذه الكتابات تحمل درجة من الصدق عالية؛ إلا أنها تبقى في المحصلة رؤية لكاتبها، الذي ينطلق من موقعه الديني والفكري والسياسي والشعوبي في نظرته للشعوب والقوميات والأمم الأخرى.

يولد الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسجر Wilfred Thesiger (1910-         2003) في مقر البعثة البريطانية بأديس أبابا في الحبشة عام 1910، حيث كان والده وزيرًا مفوضًا لبريطانيا فيها، ويقضي سنوات حياته الأولى في مرتفعاتها، ويتلقى تعليمه بكلية إيتون، وكلية ماجدالين بجامعة أكسفورد، حيث يكسب بطولة الملاكمة لأربع سنوات متتالية، وتستحوذ الرحلة في أفريقيا على تفكيره، فيقوم أثناء دراسته برحلة إلى قبيلة الدناكل في عام 1933، ثم يعبر سهول السودان إلى الغرب، ويلتحق في عام 1935 بالخدمة السياسية في السودان، فلما تندلع الحرب العالمية الثانية يلتحق بقوة الدفاع السودانية؛ لينقل إلى شمالي مرتفعات دار فور، وهناك يتعلم الرحلة على ظهور الإبل، ويقوم برحلات إلى جبال تبستي على حدود ليبيا وتشاد، ويلتقي بالسيد لين أحد الإنجليز العاملين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، والخبير بوحدة مقاومة الجراد، ليرشحه للقيام بمهمة فحص عادات الجراد، ودورة حياته في صحراء الربع الخالي بالجزيرة العربية.

يقوم ثيسجر بالارتحال سيرًا على الأقدام، أو على ظهور الإبل، في الجزيرة العربية، وينجح في عبور الربع الخالي أربع مرات بين عامي 1945-1948، وكردستان والأهوار العراقية من نهاية سنة 1951، وحتى يونيو 1958، وتقديرًا لرحلاته ينال عددًا من الجوائز،إذ تمنحه الجمعية الملكية الجغرافية ميدالية «فاوندر»، وجمعية وسط آسيا الملكية وسام «لورنس الجزيرة العربية»، والجمعية الجغرافية الاسكتلندية الملكية ميدالية «ليفينجستون»، والجمعية الملكية الآسيوية ميدالية «بيرتون ميموريال»،  ويفوز تقديرًا لكتاباته بجائزة «هاينمان»، وبعضوية الجمعية الملكية للآداب، وبمقعد شرفي في جامعة ليستر، وفي عام 1968 يُمنح لقب «كوماندر الإمبراطورية البريطانية»، ويُصبح في عام 1982 عضو شرف في الأكاديمية البريطانية، وفي كلية ماجدالين بجامعة أكسفورد، ويُمنح لقب فارس الإمبراطورية البريطانية عام 1995، وقد عاد إلى الجزيرة العربية في عام 1977، ولكن بدعوة من حكومتي سلطنة عمان ودولة الإمارات، وكانت شركات النفط قد نجحت في التنقيب في أراضي أبو ظبي ودبي، واكتشف النفط بكميات هائلة، ونتيجة لذلك فقد اختفت الحياة التي وصفها في كتابه «الرمال العربية» إلى غير رجعة، كما أن العادات والتقاليد التي كانت موضع إعجابه، والتي كان قد تنبأ لرفاقه حين وداعهم عام 1950 بعد انتهاء آخر رحلاته إلى الربع الخالي باختفائها، أصبحت مجرد ذكريات.  وتوفي عام 2003، وكان صديقًا شخصيًا للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، وراعي نهضتها.

ينطلق ثيسجر في 15 أكتوبر 1945 من صلالة عاصمة إقليم ظفار لعبور صحراء الربع الخالي للمرة الأولى، ليُصبح ثالث الرحالة والمغامرين اجتيازًا لها، بعد الإنجليزي بيرترام توماس Bertram Thomas  في عام 1930، وهاري فيلبي Harry Philby في عام 1932. وتهيأ ثيسجر لهذه المهمة، وقام الوالي بتجهيز مجموعة من البدو مع جمالهم لمرافقته،  يقدرها بـ 30 عربيًا من قبيلة بيت كثير، وبمرور الوقت أخذ يتعود على حياة التنقل كالبدو، بملابسه البدوية، وخنجره وبندقيته، إلى موغشن، ويرافقه شابان من آل الرشيد هما: سليم بن كبينه، وسالم بن غبيشة، إلا أنه يُقرر العودة، حيث أدرك أن شدة الحرارة ستحول دون تحقيق طموحه في اجتياز الربع الخالي، تلك الصحراء التي تبلغ مساحتها نصف مليون ميل مربع، والتي تُشكِّل واحدة من أقسى صحاري العالم.

يتابع ثيسجر في 25 أكتوبر من العام التالي (1946) السير برفقة 24 رجلا من قبيلة بيت كثير، إلى العين عند سفوح جبل قرة، ثم تريم، وموغشن وبئر شيبام. ويصف الزراعات على جوانب الأودية، ويذكر منازل القبائل، وعاداتها وصفًا دقيقًا، وطرق الزراعة، ورفع المياه من الآبار، وحفظهم للمياه، وطحنهم للغلال، ثم يصل إلى عروق الشيبة، التي يُعدّها أكثر الكثبان الرملية ارتفاعًا في الربع الخالي، ويتابع إلى سليل على حافة بساتين النخيل، والأراضي الزراعية في وادي الدواسر، ومنها إلى ليلى، ثم يصل جبرين بعد عبور رمال الدهناء. ويخترق رمال جافورة فيصف أعشابها، ومنها إلى سبخة مطي، ويصل إلى بلاغ في طريقه إلى واحة ليوا، التي يسكنها بني ياس والمناصير، وبها نخيل جيد، والكثير من الكثبان فوق المنبسطات الملحية، والبيوت مصنوعة من الحصير وسعف النخيل. ليختتم رحلته الثانية في أبو ظبي، التي يصفها بأنها بلدة صغيرة تضم حوالي ألفي نسمة، حيث دُعي إلى غرفة صغيرة مفروشة، كان يجلس فيها الشيخ شخبوط، حاكم أبو ظبي، وشقيقاه هزاع وخالد، وكانوا يرتدون دشداشات طويلة بيضاء، وعباءات مطرزة بالذهب، وكوفيات بيضاء تتدلى حول وجوههم، وتثبت على الرأس بعقالات صوفية سوداء. ويصف الشيخ شخبوط بأنه شاحب الوجه نحيل البنية، ملامحه صغيرة متناسقة، ولحيته سوداء، مشذبة بدقة، عيناه سوداوان واسعتان، لطيفًا ووديًا، متحفظَا، يتكلم بنعومة، ويتحرك ببطء وتأن، يسيطر تماما على مزاجه الانفعالي، وخنجره مرصعًا بالذهب. ثم يصف الشيخ هزاع بأنه بشوشً، ذو لحية كثيفة، تغطي نصف صدره، أما الشيخ خالد فكان يلفت النظر بسبب ضرسة الأمامي المخلخل، الذي كان يحركه بلسانه. وينتقل للبريمي، حيث يلتقي بالشيخ زايد، فيقول عنه إنه رجل قوي البنية جدًا، يبلغ من العمر حوالي الثلاثين عامًا، لحيته بنية، ووجهه قوي ينم عن الذكاء، عيناه خارقتان يقظتان، يعطي الانطباع بأنه شخص هادئ قادر ذو عزيمة، لباسه بسيطً جدا، يتكون من قميص من قماش عماني لونه بني فاتح، وصدرية غير مزررة، ويتميز عن رفاقه بعقاله الأسود، وطريقة ارتدائه كوفيته، التي كانت ملقاة على كتفه، يتمنطق بخنجر أو حزام رصاص، وبندقيته ملقاة على الرمال إلى جانبه. ويمكث عنده حوالي الشهر، ثم يصل الشارقة يوم 10 مايو، ومنها إلى دبي، ثم يُبحر إلى البحرين.

يبدأ ثيسجر رحلته الثالثة  من دبي، حيث يغادرها إلى أبو ظبي في 27 أكتوبر 1948 ومنها إلى المويجعي، ثم غربًا إلى واحة ليوا، حيث يرافق الشيخ زايد في رحلة صيد، ثم يتجه إلى أم السميم، وهي رمال متحركة ناعمة تغوص فيها الجمال، ويسير محاذيًا للحافة الشرقية لمنطقة الرمال الناعمة حتى يصل إلى وادي العين، والعميري، والفارعي ووادي بطحة، وقرى حبوس، ووادي عندام، ونزوى، وعبري، وجبل حفيت، ثم يعود إلى المويجعي في السادس من أبريل 1949، وأسهب في وصف الحياة الاجتماعية والاقتصادية لقبائل وهيبة وهي أكثر القبائل عددًا في جنوب عمان، ثم وصف الجبل الأخضر والأودية والمسيلات المائية التي تنحدر منه، وقد أضافت جهوده ورحلاته كثيرًا إلى المكتبة الجغرافية، وأزاحت الركام عن جزء كبير من الربع الخالي. وهكذا تميز ثيسجر بتصميمه على تحقيق المستحيل، إذ يتجرد من ثوبه الأوروبي، ليعيش مع القبائل العربية حياتها الشاقة، ويقطع سلسلة جبلية بعد أخرى، وكثيبًا رمليًا بعد آخر، وينجح في عبور الربع الخالي، فكان بحق آخر جيل رحالي أوروبا الأصليين في جزيرة العرب، وعلى حد تعبير فيلبي «ربما يكون أعظم المستكشفين».

يُقابل كتاب ثيسجر «الرمال العربية» منذ صدور طبعته الأولى في عام 1959 بعاصفة من الاستحسان. ففي هذا الكتاب يحتل ثيسجر مكانة بين الأشخاص العظام القلائل الذين جابوا شبه الجزيرة العربية، ليس كمستكشف فقط، وإنما ككاتب أيضًا، إذ يصف الأحداث اليومية لرحلاته وأسفاره في الربع الخالي وما حولها بين عامي (1945-1950)، ويحلل حصيلتها بكل جوانبها الإنسانية، ولقد أحب مزايا النبل والشجاعة والكرم في البدو، وأقام معهم صداقات حميمة، فأطلقوا عليه اسم مبارك بن لندن، ولقد قام برحلاته بدون رفاق أوروبيين، وعاش خلالها كأعرابي، فتكونت لديه خبرة ومعرفة فريدة بحياة الصحراء، ويتميز وصفه بعمقه وشموله وروعة أسلوبه، ، وسيبقى متفردًا بذلك لأن العالم الذي يصفه تلاشى بعد أن اقتحمه الباحثون عن النفط، إلى درجة أنه يمكن وضع الكتاب في مصاف روائع أدب الرحلات.

يجد القارئ في ثنايا الكتاب أسلوب الحياة الاجتماعية بين سكان الجزيرة العربية، وعاداتهم وتقاليدهم، وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض ومع غيرهم، ويطلع كذلك على طبوغرافية المنطقة. ولم يكن ثيسجر دبلوماسيًا، ولا عسكريًا، بل كان عالمًا أنثروبولوجيًا متضلعًا، يسعى إلى دراسة الحضارة المادية والمعنوية للبدو، والبداوة، وعاش مع البدو، فرافقهم في ترحالهم، وقاسمهم حياتهم الخشنة، فأشبع طموحه، فقد وجد بين بدو الصحراء، «مجتمعه الأمثل» الذي كان يحلم به، ووجد حريته في عالم الصمت الواسع العميق، ومهربًا من مجتمعه الصناعي. يقول عن تجربته: «لاحظت أن سحر هذه الرحلة بالنسبة لي، لم يكن في مشاهدة هذه البلاد فقط، وإنما في مشاهدتها تحت هذه الظروف، فالمشاق والأخطار اليومية، والجوع والعطش، والتعب من السير الطويل، تعكس الظروف القاسية لحياة البدو، التي سعيت إلى التأقلم معها، فكان ذلك أساس الصحبة التي وحدتنا». يتواصل طبع كتاب ثيسجر دون توقف منذ عام 1959، فقد كان موضع إشادة مستمرة حتى إن مجلة «النقاد» البريطانية قالت عنه «من ذلك الطراز النادر من الكتب، التي تخلف تغييرًا دائمًا في آراء المرء حول العالم»، ونشر لأول مرة باللغة العربية عام 1991 عن دار موتيف ايت بأبو ظبي، وصدرت طبعته الثانية 1992، والثالثة 1999. ويتميز أسلوب ثيسجر بلغته السهلة، سلسة العبارة، ويُعد كتابه من أفضل الكتب التي ظهرت عن بلاد العرب، وقد رسم ثيسجر خريطة دقيقة جمعت نتائج جميع رحلاته في جنوب وجنوب شرق شبه الجزيرة العربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق